قبل ان تحط الطائرة مطار استطنبول في تركيا كانت الفكرة التي تشكلت عن تركيا انها دولة علمانية وان الاسلام كما عرفناه كدين وسلوك حياة لا يزال ضعيفا في تركيا لكن ما ان بدات اولى محطات زيارتنا برفقة مجموعة من الزملاء الاعلاميين والاقتصاديين والتربويين ورجال الاعمال بضيافة تيار الخدمة الايمانية في تركيا حتى تبددت هذه الفكرة لتحل مكانها مئات الافكار الجميلة التي زرعت في العقل وتولدت من رؤية واقعية لمعنى الاسلام المتجسد في تفاصيل العمل اليومي والحياتي في كافة المجالات التربوية والاجتماعية والاعلامية والتطوعية والخدماتية بكافة اشكالها .
لنصل جمعيا الى قناعة بان هذا التيار بدا بحصد ثمار ومجهود الداعية المسلم فتح الله كولن الذي زرع في نفوس الالاف من هذا التيار مبادئ ورؤى وقناعات عملت على تحديد اهداف اسلامية قادرة على احداث تغير جذري بالمجتمع وبالافراد فتشكلت منظومة متماسكة من العمل المبني على القيم الاسلامية في التعامل مع الاخرين وفي تنشئة الجيل الصاعد .
وقبل زيارتنا لتركيا لم تكن معرفتنا بالداعية المسلم فتح الله كولن كما يجب الا ان اقترابنا من تجربة التيار الايماني اكتشفنا حقيقة مفادها ان هذا الداعية تمكن من الانتقال من التنظير والارشاد والوعظ الى حياة العمل والبناء والانجاز فعمل على انشاء الصحف والمجلات والمدارس والعيادات الصحية والمستشفيات ليكون الانسان هو محور البناء والتغير واعداد وتهيئة الاطفال وزرع القيم والمبادئ الاسلامية ليصبحوا اناسا مؤمنين متوزانين في حياتهم المستقبلية يحافظون على هويتهم الاسلامية بارقى صورها واعتداليتها .
فالانجازات الكبيرة التي اطلعنا عليها خلال زياراتنا لتركيا والتي ترجمت رؤى الداعية الاسلامي فتح الله كولن « مؤسس جماعة الخدمة الايمانية في تركيا « هي انجازات نابعة من الفهم الحقيقي للأسلام والمتجسد في انه دين عمل وتطبيق يقدم المنفعة للأخرين وينقلهم من حياة تتزاحم بها افكار وسلوكيات كثيرة الى معان انسانية حقيقية قوامها الاسلام وتعمل على تعزيز مبادىء العمل والتضحية .
ولعل اهمية هذه التجربة وهذه الانجازات لا تقف عند حدود اهدافها فحسب بل تستمد نجاحها من انها ولدت في دولة علمانية ، فكان عملهم لا يخلو من الصعوبة والتحديات فهم انطلقوا للعمل والبناء لنرى باعيننا القوة المؤثرة لهذا التيار في المجتمع وتوجهاته .
وبالرغم من قصر المدة التي قضيناها في تركيا للاطلاع على هذه التجربة الغنية الا ان عظمة الانجازات عكست معاني حقيقية ومبادئ كبيرة تقوم على محاربة الجهل والتركيز على التعليم ومحاربة الفقر وزرع معاني التعاون والتضحية في سبيل الابقاء على الدين الاسلامي بابهى صورة كواقع حياة وعمل وبناء .
فلقد تمكن التيار برؤية وتوجيهات الداعية الاسلامي فتح الله كولن من بناء منظومة تعليمية تربوية متكاملة من خلال الفي مدرسة منتشرة في تركيا و160 دولة من بينها الاردن حيث يتم التدريس بهذه المدارس باللغة الانجليزية للمواد العلمية والمواد الانسانية تدرس بلغة البلد الذي تمارس المدرسة رسالتها به وتكون اللغة التركية هي اللغة الاجنبية لطلاب تلك البلاد .
واضافة للمدارس فان هناك اكثر من عشرين جامعة تعتبر من اكثر الجامعات تميزا التي تخرج الالاف الطلبة من الذكور والاناث ومن مختلف الجنسيات وتوفر لهم المسكن والماكل والمشرب وتضم اقساما وتخصصات شاملة اضافة الى مكتباتها الزاخرة بالكتب والمراجع القديمة التي مضى عليها مئات السنين .
مجموعات إعلامية وثقافية
يؤمن الداعية الاسلامي كولن بدور الاعلام والثقافة في وقتنا الحاضر ومدى تاثيره على حياة الفرد ولهذا عملت الحركة على تاسيس منظومة اعلامية متكاملة لا تقوم على تقديم رسائل اعلامية جاهزة بقدر ما تحفز العقول على التفكير واكتشاف مبادئ ورسائل الحركة بطرق غير مباشرة .
فهناك مجموعة « درب التبانة» الفضائة التي تتكون من عشر قنوات تلفزيونية بين اخبارية وثقافية و دينية ،ودرامية ووثائقية واجتماعية اضافة لتخصيصها قنوات للأطفال واذاعات ومواقع الكترونية وهي التي تاسست عام 1993 و يعمل فيها 600 الف شخص ما بين تركيا وخارجها كما ان هناك فروعا للمجموعة في اوروبا و اميركا و افريقيا .
الإعلام المقروء – صحيفة الزمان
امام مبنى ضخم يعلو اسم صحفية الزمان ليشعر القاصد لهذه الصحيفة بان الزمان لدى الحركة يختلف عن الزمان الذي يعيشه الكثيرين في عالمنا اليوم فهو زمان يقوم على مبادىء اسلامية بروح مختلفة لم نعتاد عليها من قبل تمكنت من تاسيس منظومة عمل ضخمة اساسها حب الله عز وجل والعمل على مساعدة الاخر وتنشئة جيل يؤمن بمبادئه ويعمل بها .
فصحيفة الزمان اليومية انطلقت في عام 1986 وتعتبر اكبر صحيفة يومية في تركيا مبانيها سبعة وتمتلك مطبعة كبيرة ويعمل بها اربعة الالاف موظف منهم 600 في استطنبول وتطبع الصحيفة باللغة التركية واخرى بالانجليزية وتحترم حرية الراي والراي الاخر والتعبير عن الاراء وتحرص على تقديم المواد الصحفية من منطلق اسلامي .
كما تصدر الصحيفة ملاحق للاسرة والطفل وملاحق دراسية موجهة للطلبة ، اضافة الى وكالة جيهان التي تعتبر اكبر وكالة اخبارية في تركيا ولها مكاتب في العديد من الدول كما تبث اخبارها باللغة التركية والعربية والانجليزية والروسية
مجموعات للنشر وجرائد
ومن المؤسسات الاخرى التابعة للحركة ( مجموعة قينق) للنشر الثقافي، والتي تاسست قبل ثلاثين عاما وتنشر الالاف من الكتب بلغات مختلفة وتصدر مجلات ثقافية دورية منها مجلة ( الرشحة ) .
حيث وصل عدد المجلات التي تنشرها ما يقارب الثلاثين مجلة منها مجلة متخصصة للأطفال ومجلة حراء باللغة العربية والتي بدات بالصدور عام 2005 اضافة الى مجلة شهرية متخصصة بالعلوم الاسلامية.
وتبعا للحركة فان اعداد المبيعات لهذه المنشورات كبيرة جدا خاصة وان مجموعة قينق تمتلك ثلاثين دارا للنشر وتصدر شهريا اكثر من ستين كتابا بين ثقافي وادبي وعلمي بعدة لغات .
جمعية «هل من احد – عمل خيري يساعد المحتاجين في مختلف انحاء العالم
وتعتبر صورة اخرى من الصور التي تعكس قصة نجاح الحركة والتيار الايماني بتركيا فهي جمعية خيرية تعمل على مساعدة المحتاجين داخل تركيا وخارجها وبداياتها كانت عند حدوث زلزال مرمرة عام 1999 فقامت الجمعية بجمع التبرعات لمساعدة المنكوبين من الزلزال وهي اليوم تقدم مساعدات لنحو 90 الف شخص ولها فروع في تركيا ودول عديدة .
وتحرص الجمعية على تقديم مساعدات للمحتاجين اضافة الى عملها في تنظيم دورات للفقراء وتمويل العديد من المشاريع.
ولا يقف حدود عملها الخير في تركيا فقط بل انها دائمة البحث عن من تعرضوا لحوادث طبيعية كالزلازل او الحروب وتسعى لمساعدتهم من خلال فروعها في دول عديدة .
مدارس اسلامية عصرية
يتفاجا القاصد لزيارة مدارس الحركة بجمالها ونظافتها وحرص القائمين عليها على توفير كل ما يحتاجه الطالب وكل هذه المدارس هي عالم خاص بذاته فالغرف الصفية تتسع الى عشرين طالبا ووسائل التعليم المستخدمة على قدر كبير من التقدم والتكنولوجيا .
واهتمام المعلم بالطالب لا يقف عند حدود المدرسة فقط بل هناك علاقة مباشرة بين المعلم والطالب واسرته ويحرص المعلم على كتابة تقرير يومي عن الطالب يرسل الى اسرته حيث يتم تخصيص مدرس لعدد من الطلاب لا يتجاوز العشرة ويقوم المعلم بدور الام والاب من خلال متابعة طلابه على مدار الاسبوع .
ولعل الشيء الجميل والمدهش في فلسفة هذه المدارس انها لا تعمل على تدريس الاسلام مباشرة او من خلال المنهاج المقررة لكنهم يعتمدون الاسلام ومبادءه من خلال التربية والسلوكيات التي ينشا عليها الطالب وهذا يعكس وجود فروع لهذه المدارس في دول اجنبية .
ويؤكد القائمون على هذه المدارس ان اليوم المدرسي لا ينتهي بانتهاء الدوام لكن يستمر العمل والانجاز من خلال محاضرات مسائية تعطى للطلاب تعمل على تقديم شروحات عن الدين الاسلامي وكل ما يتعلق به من جوانب حياة وقد تم توفير ملاعب واسعة ومسابح ومطعم ومكتبات تضم العديد من الكتب ليشعر الزائر لهذه المدراس بانها لا تهدف فقط لحشو معلومات في عقول الطلبة بقدر ما تسعى الى خلق جيل متكامل متصالح مع ذاته فخريجو هذه المدارس ملتزمون بحياتهم يتمتعون باخلاق راقية .
ولا بد من الاشارة الى ان العاملين بهذه المدارس وخاصة المعلمين والمعلمات هم من خريجين هذه المدارس .
جامعة الفاتح
وفي زيارة موقعا اخر للحركة كانت زيارة لجامعة الفاتح التي تاسست عام 1996 حيث يدرس بها ما يقارب 12 الف طالب من مختلف الجنسيات وكما ذكر لنا فان الجامعة تحتل المرتبة 12 بين 115 جامعة تركية وتضم سبع كليات من الطب والاقتصاد والحقوق والهندسة والفنون والعلوم واللغات والتمريض وكلية التربية اضافة مراكز تستخدم احدث التقنيات .
كما تضم الجامعة سكنا للذكور داخلها واخر للأناث خارج الجامعة ويمارس الطلبة نشاطاتهم الترفيهية والثقافية والرياضية داخل الجامعة .
هذه التجربة الكبيرة للتيار الايماني وللحركة في تركيا هي نتاج يجسد معاني استطاع الداعية الاسلامي ومؤسس الحركة والتيار فتح الله كولن من زرعه على مدار السنوات الطويلة الماضية في نفوس مؤيدي الحركة فاصبح مفهوم التطوع منهج حياة يديرون مؤسسات تعليمية وتطوعية وتعليمية وصحية ومطاعم وفنادق وشركات لتصبح دولة خاصة بذاتها -ان جاز التعبير -
فالاخوة بالحركة كما يطلقون على انفسهم يعملون برؤية واحدة ومنهج عمل واضح يتعاملون مع الاخرين تعاملا اساسه اللطف والتواضع فلا يشعر الانسان معهم بوجود لوصف الغرور او التكبر برغم حجم الانجازات والعطاء اللامحدود ولعل مرافقتنا لاحد قادة الحركة ورئيس مجلس ادارة احدى شركات التعليم ( عزيز كورجان ) اثناء زيارتنا لتركيا خير مثال على تجسيد معاني التواضع وحسن الخلق في التعامل مع الاخرين .
ولعل تحديد كولن العدو الاكبر للعالم الاسلامي بازمات ثلاث هي الجهل والفقر والفرقة جعله يؤمن بان تغير هذه الازمات لا ياتي الا من خلال التركيز على التربية والتعليم وبث الايمان بنفوس الاخرين .
وتجربته في فتح بيوت الطلبة في الستينات وتشجيع التجار على هذه الفكرة في الوقت الذي كان هناك تخوفا من ارسال البنات في تركيا خوفا من تاثرهن بايدلوجيات معينة كالماركسية التي انتشرت انذاك بالتعليم فكان هدفه واضحا يتجسد في توفير التعليم وتامين اسكانات للطلبة بعيدا عن انتمائهم وانتماءات اسرهم السياسية لتتطور هذه الفكرة على مدار السنوات الماضية وتصل الى حد فتح المدارس والجامعات .
وتبقى الزيارة لتركيا ومشاهدة انجازات وعطاء التيار الايماني والحركة لا يمكن اختزاله بكلمات فايمانهم العميق بالاسلام وقدرتهم على التغير وتماسكهم وعطائهم وتضحياتهم وتطوعهم جمعيها تثير العديد من التساؤلات حول سر نجاحها.
وهي الحركة التي تبتعد عن السياسة فلم نجد احدا تطرق للسياسة ولم نلمس في زياراتنا لمؤسساتها علاقة لها بالسياسة لكنها تبقى اسئلة مشروعة لا تنتقص من حجم هذا الانجاز الكبير وحب منتسبي الحركة لاستاذهم فتح الله كولن الذي يقف وراء كل هذا الحجم من الانجازات فان نعلم طفلا وان نحسن تربيته ونوفر له حياة اسلامية صالحة يعني بنهاية الامر ان نصل الى ما رايناه من شباب ناجحين في مختلف المجالات التعليمية والاقتصادية والتطوعية والصحية فهي منظومة متكاملة من العمل والاتحاد لا يمكن للانسان الا ان يقف بفخر امامها وينحني احتراما لمبادئها وقدرتها على الاستمرار .
الرأي: 28/1/2012
التيار الإيماني في تركيا نهج إسلامي يعكس رؤيته في جميع جوانب الحياة و كولن يحدد أعداء الإسلام بثلاث هي.. الجهل والفقر والفرقة