رئيس اتحاد العلماء المسلمين : الشريعة جاءت لمصلحة العباد
د. يوسف القرضاوي يبدأ بمفهوم العبادة وتوضيح القضايا الرئيسة المرتبطة به، بخاصة حول البدع وخطورتها.
* لماذا نعبد الله؟ وهل هذه العبادة فيها من نفع يعود على الحق ـ سبحانه وتعالى ـ أم النفع كل النفع يعود على الإنسان؟
لا شك أن الله ـ سبحانه وتعالى ـ غني عن العالمين، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾،﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ﴾ وفي الحديث القدسي الشريف الشهير الذي رواه الإمام مسلم عن أبي ذر، عن رسول الله عن ربّ العزة تبارك وتعالى: "يا عبادي لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجل واحد، ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، ولو أن أوّلكم وآخركم وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئًا".
فغنى الله عن الناس وعن العالمين من الأمور العقائدية الأساسية في الإسلام، فما يأمر الله به وما ينهى عنه وما يشرعه لعباده، إنما هو لنفع العباد، والذي ينتفع بهذه العبادات، وبالأوامر وبالنواهي عامة هم خلق الله سبحانه وتعالى، فالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وإحلال الحلال وتحريم الحرام، والاستجابة إلى أحكام الله تبارك وتعالى، كل هذا نفعه يعود على العباد.
ولذلك علماء المسلمين من الفقهاء والأصوليين أجمعوا على أن الشريعة كلها بعباداتها، ومعاملاتها، وعقائدها، وأخلاقياتها، إنما شرعت لمصالح العباد في المعاش والميعاد، وكل ما في الأمر أن كلمة المصلحة، أي "مصلحة العباد"، بعض الناس يظن أنها في الجانب المادي، أو الجانب المالي، أو الاقتصادي، لكن المصلحة كما أشار الله تشمل المادة والروح، والبدن والنفس، كما تشمل الحاضر والمستقبل، والفرد والجماعة، فالمصالح التي تعود على الجميع هي التي من أجلها شرع الله العبادات، وشرع غيرها من الأحكام.
وقد أشار القرآن الكريم إلى آثار العبادة في النفس، وفي الحياة، في آيات شتى فأشار إلى أثر الصلاة في قوله تعالى ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾، وفي قوله عز وجل ﴿ِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (20) وَإِذَا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعاً (21) إِلاَّ المُصَلِّينَ (22) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ وأشار إلى أثر الزكاة في النفس وفي المال حينما قال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾ وأشار إلى أثر الصيام في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾ وأشار إلى آثار الحج في قوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ﴾ فحتى العبادات التي يفترض أن الإنسان يقوم بها تعبدًا لله، لها منافع وآثار تعود على الإنسان بالنفع في حياته المادية والروحية، أو الدنيوية والأخروية.
* لكن ربما يقول البعض إذا كانت العبادات تهذب الأخلاق وتربّي النفوس، فماذا لو استطاع الإنسان أن يسمو بنفسه بعيدًا عن هذه العبادات؟
العبادات تهذّب النفس، لكن هذا ليس هو الغاية من شرعية العبادات، بمعنى أن الله لم يشرّع العبادات لهذا الأمر، وإنما هذا أثر من آثار العبادات، فالعبادات فرضها الله سبحانه وتعالى على الناس قيامًا بحق الله ـ عز وجل ـ ؛ حق الخالق المُنعم بالنّعم العظمى؛ نعمة الحياة، ونعمة العقل، ونعمة تسخير الكون للإنسان ﴿سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾فمن حق هذا الإله أن يعبد، فالعبادة حق الله تبارك وتعالى، ولها آثار ومنافع ، لكن هذه الآثار ليست هي الغاية من العبادة.
العبادة ابتلاء
* هل تعتبر العبادة نوعًا من أنواع الإبتلاء، فالحق سبحانه وتعالى يقول: (إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه)؟
كل التكاليف هي من الابتلاء الذي ابتلى الله به هذا النوع من الخليقة، فهناك أنواع لم تبتل بالتكاليف مثل الحيوانات والبهائم؛ لأن لا عقل لها فلم تكلّف ولم تبتل، وإنما تأكل وتشرب وفق الغريزة فقط، وهناك مخلوقات فطرت على العبادة ولم تكلف بها، مثل الملائكة، فهي ليست مبتلاة بها؛ لأن العبادة عندها كما نتنفس نحن، أما المخلوقات العاقلة التي كلفها الله فهي المبتلاة، فالتكليف هو نوع من الابتلاء؛ لأن التكليف هو إلزام ما فيه كلفة، أو طلب ما فيه كلفة، أي فيه جهد ومشقة على الإنسان، فهذا المخلوق من طبيعته إنه مخلوق مزدوج، فلا هو ملاك ولا هو بهيمة، ففيه غريزة البهيمة وروحانية الملاك، ولذلك قَبل أن يستخلف في الأرض ويعمر الأرض ويقوم بحق الله تبارك وتعالى فيها.
* لكن ماذا لو عبد العبد ربه ـ سبحانه وتعالى ـ طلبًا للثواب، ومخافة من العقاب، فبعض المتصوفة يزعمون أن الله لا يعبد بهذه الصورة، ويرون أن هذا فيه نوع من أنواع المتاجرة، فهل توافقون على هذا؟
هؤلاء المتصوفة لا يقولون إن عبادة الله بهذا الشكل خطأ، ولكن يقولون إنها مرتبة دنيا لا تليق بالكبار، ولا تليق بالناس أصحاب الرتبة العليا، وأنه لا ينبغي للإنسان أن يعمل ويتعبد طلبًا للمثوبة أو خوفًا من العقوبة، أو ابتغاء الجنة أو هربًا من النار، وبعضهم يقولون: كلهم يعبدون من خوف نار ويرون النجاة حظًا جميلاً، أو بأن يدخلوا الجنان فيحظوا بنعيم ويشربوا سلسبيلا، ليس لي في الجنان والنار حظ أنا لا أبتغي بحبي بديلاً.
هذا الكلام الذي يروى ويقال إنه عن رابعة العدوية، لا يوافق النهج الإسلامي، فالقرآن مليء بالترغيب والترهيب، وكذلك الأحاديث النبوية، حتى أن بعض العلماء مثل الإمام المنذري ألف كتابًا من أربعة أجزاء في "الترغيب والترهيب"، وأن الإنسان يعمل الخير والعمل الصالح رغبة فيما عند الله، ويترك العمل السيئ والشرير رهبة مما عند الله، والقرآن مليء بهذا، ولذلك ذكر الله الجنة والنار، والوعد والوعيد، ووصف الله الخيّرين من عباده بأنهم يرجون رحمته ويخافون عذابه ﴿َمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾، وقال عن عدد من الأنبياء والمرسلين إنهم ﴿كَانُوا يُسَارِعُونُ فِي الخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ثم قال ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً﴾ أي خوفًا من عقاب الله، وطمعًا في ثوابه، فهذا ليس أمرًا مذمومًا.
والنبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ كان يسأل الله "اللهم إني أسالك رضاك والجنة، وأعوذ بك من سخطك والنار، واللهم إني أسالك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل"، فهذا ليس مذمومًا والبعض ينظر إلى الجنة كأنها هي فقط الجنة بما فيها من الأكل والشرب والحور العين، ﴿َلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ (21) وَحُورٌ عِينٌ﴾ لا الجنة ليست هكذا، الجنة أيضًا فيها رضوان من الله أكبر ﴿وَعَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ أي أكبر من هذا النعيم المادي.
إصلاح العبادة
* منذ فترة غير بعيدة خرج علينا بابا الفاتيكان "بندكت السادس عشر" بمحاضرة تطاول فيها على الإسلام، وكان مما قاله: إن محمدًا ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يأت بجديد، بماذا تردون عليه؟
يؤسفنا أن هذا صدر من بابا الفاتيكان، ورئيس الأمة الكاثوليكية، وهو قال: لم يأت محمد بجديد إلا بنشر الدين بالسيف، ونحن رددنا عليه ومما قلناه إن محمدًا ـ عليه الصلاة والسلام ـ جاء بالجديد في العبادة بالذات، إذ وسّع أفقها؛ بحيث شملت مجالات الحياة كلها، فالمسلم يتعبد بعمله وكسبه للمعيشة، ويتعبد بعمله الخيري، ويتعبد على عمله الغريزي حتى في لقاء زوجته، وجاء محمد بالجديد في العبادة بأنه ربط المسلم بربه ربطًا دائمًا.
فالإسلام هو الدين الوحيد الذي يجعل المسلم على موعد دائمًا مع الله في اليوم خمس مرات، إذا اقتصر على الفرائض، ذلك غير التعبدات التي يجعلها الإسلام بالنية، فالأشياء المباحة والعادية إذا أدخل الإنسان فيها نية الاحتساب تتحول إلى قربات وعبادات لله عز وجل. كذلك جاء الإسلام بجديد في مجال إصلاح مفهوم العبادة، بعدما حرّف أهل الأديان العبادات، وأدخلوا فيها ما ليس منها، وأخرجوا منها ما هو من صلبها.
* من المبادئ التي جاء بها الإسلام في الجانب التعبدي، أنه وضع قاعدة تقول: إنه لا يعبد إلا الله، فما معنى هذا؟
مشكلة البشر أنهم عبدوا من لم يستحق العبادة، فالإلحاد والملحدون في التاريخ قليلون جدًّا، لكن الذي ضيّع البشرية، هو الشرك، فالبشر أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانًا، وعبدوا من دون الله، أو عبدوا مع الله آلهة أخرى، ولذلك كان النداء الأول للأنبياء الذين أرسلهم الله إلى الأقوام المختلفة، هو: "اعبدوا الله" ﴿يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره﴾ أي محاربة الشرك وردّ الناس إلى التوحيد.
وكل الأديان جاءت بما نسميه "توحيد الألوهية" أو "توحيد العبادة" و"توحيد الربوبية" فالعرب المشركون كانوا يقرون بأن الخالق هو الله وحده ﴿لَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ لكن مع هذا يعبدون الأصنام ويقولون ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ﴾.
فالذي أفسد البشرية وأضلها، هو الشرك بالله تبارك وتعالى، حيث عبد الناس الشمس والقمر، وعبدوا الأفلاك والنجوم، وعبدوا الحيوانات والأبقار، كما هو الحال في الهند، والمصريون القدماء كانوا يعبدون عجلاً سموه "عجل آبيس"
وهناك من عبد الأنهار، ومن عبد الأشجار، ومن عبد الأحجار، وكان بعض العرب يعبدون إلهًا من العجوة، ويصطحبونه في أسفارهم، فأحيانًا ينفد الزاد منهم، ولا يبقى معهم زاد، فإذا جاع الإنسان يستدير إلى إلهه فيفطر بثلثه، ويتغدى بثلثه، ويتعشى بثلثه، وهو ما أشار إليه القرآن ﴿َ أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾.
حمى التوحيد
* الإسلام شن حربًا على كل مظاهر الشرك حتى ولو كان هذا في مجرد لفظة أو كلمة، حتى مجرد أن الإنسان يقسم بغير الله، اعتبر الإسلام هذا نوعًا من أنواع الشرك، فلماذا هذا التشدد في هذا الجانب؟
الإسلام أراد أن يحمي حمى التوحيد، ويسد الذرائع إلى الشرك؛ لأن الإنسان أحيانًا كما يقولون الألف تجر الباء، والباء تجر ما بعدها، فإذا تساهلنا في هذا الأمر سرعان ما يؤدي الصغير إلى الكبير والكبير إلى الأكبر، فأخذ الإسلام بالاحتياط، ومنع الشرك الأصغر حتى لا نصل إلى الشرك الأكبر "من حلف بغير الله فقد أشرك"، كما نهى الإسلام عن الصلاة عند طلوع الشمس، وعند زوالها؛ لأن بعض الناس الذين يعبدون الشمس يسجدون لها في هذا الوقت، وحتى لا نتشبه بهم مجرد التشبه نهى عن الصلاة في هذه الأوقات.
وهكذا كان الإسلام حريصًا أشد الحرص على تنقية التوحيد من أي شائبة من شوائب الشرك، ولذلك النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ نهى أن قبره يتخذ عيدًا "اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد" ونهى عن الغلو في الصالحين؛ لأن أصل الشرك عند قوم نوح هو الغلو في الصالحين، حيث أنهم صوروا لهم صورًا للذكرى، وبعد مدة نسوا سبب التصوير، فأصبحوا يعبدون هذه الصور واتخذوها آلهة من دون الله.
* بعض المستشرقين يتهم الإسلام بأنه يهتم بالشكليات وبالمظاهر، خصوصًا في أمر العبادات؛ فالمسلم مطالب بهندام جميل، وثوب حسن، ويقف المسلمون في صلاتهم في صفوف منتظمة؟
الرد على هذا في غاية السهولة، فالإسلام لا يهتم بهذه المظاهر، وإنما يهتم بأشياء مثل الطهارة حتى يدخل الإنسان إلى هذه العبادة نظيفًا طاهرًا، الثوب والبدن والمكان، وطاهرًا من الخبث، وطاهرًا من الحدث الأصغر والأكبر، ويقول تعالى ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ أي لابد للمسلم أن يكون طيب المظهر، وطيب الرائحة؛ حتى لا يؤذي إخوانه، وهذه أشياء مهمة، ليست مجرد شكليات، ولكن الأهم من هذا كله هو القلب، وهل يؤدى هذه العبادة بإخلاص لله أم لا؟
ونحن ذكرنا بالأمس قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾فالنية هي أساس قبول العبادة، "إنما الأعمال بالنيات"، والنية بعض المسلمين للأسف لا يحسنون فهمها، ويعتبر أن النية هي أن تقول: نويت أصلي فرض الظهر، أو أصلي العصر أربع ركعات لله العظيم، لكن المقصود بالنية هنا أن تبتغي وجه الله بعملك، وهذه هي النية التي تجعل العمل مقبولاً، وترفعه إلى درجة القبول عند الله، وهي تعني الإخلاص.
ولذلك كان بعض الصالحين يقول: "ليس المهم أن تعمل ولكن المهم أن تقبل"، ولما مرض بعضهم وذهب بعض تلاميذه وأصحابه يزورونه، وجدوه يبكي، قالوا له: لم تبكي؟ أنت صليت وزكيت، وحجيت، واعتبرت وعلمت، وأمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر، وتبكي؟! فقال لهم: وما علمي بأن شيئًا من هذا قُبل، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ)، والتقوى في القلب، لأن النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ وهو يعلّم الصحابة حقيقة التقوى أشار إلى صدره، وقال: التقوى ها هنا.
فالتقوى ليست ثوبًا يرقع، ولا عمامة مكورة، ولا ثوبًا قصيرًا، إنما هي تقوى القلوب، (فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى القُلُوبِ﴾، ولذلك عناية الإسلام ليست بالشكليات أبدًا، فالصلاة إذا لم تكن خاشعة لم تقبل، والقرآن يقول ﴿قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾، وفي الحديث "ربَ قائم ليس له من قيامه إلا السهر، وربَ صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش"، "ومن لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه".
البدع والإبداع
* يقول العلماء إن الأصل في المعاملات الإباحة، والأصل في العبادات التحريم، وأن العبادات أمور توقيفية، فما المقصود بذلك؟
سئل الإمام الصالح الورع الفضيل بن عياض، عن قوله تعالى: ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ قيل له: يا أبا علي ما أحسن العمل؟ قال: أحسن العمل، أخلصه وأصوبه، فالله لا يقبل العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا، أو كان صوابًا ولم يكن خالصًا، وإنما يقبله إذا جمع بين الأمرين، الخلوص والصواب، وخلوصه أن يكون لله وصوابه أن يكون على السنة، أي على المنهج الشرعي؛ لأن العبادات هي من حق الله وحده، فالشرع في العبادات منشأ، وفي المعاملات مهذّب؛ لأن الناس تتعامل سواء وجد شرع أو لم يوجد شرع، فهي تبيع وتشتري، وتؤجر وتستأجر، ومهمة الشرع أن يصلح ويهذب، كما فعل في أمور الجاهلية، وجد عندهم أنكحة أجاز منها ما أجاز، وألغى ما ألغى، ووجد عندهم بيوعًا أبقى منها ما أبقى وأبطل منها ما أبطل.
إنما في العبادة لابد أن الشرع هو الذي يقول اعمل كذا؛ حتى لا يشرع الناس في الدين ما لم يأذن به الله، والقاعدة تقول: لا يعبد الله إلا بما شرع، أي لا يعبد بالأهواء والبدع، ولما ترك الناس ليبتدعوا غيروا الدين، كما حدث في الأديان الأخرى، حيث تغيرت حقيقة العبادات وجوهرها؛ لأن الناس إذا فتح لهم باب الابتداع لم يقفوا عند حد، ولذلك الإسلام من أول الأمر قال: "إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة"، وهكذا سد هذا الباب من أول الأمر.
* الإمام ابن القيم ـ رحمة الله عليه ـ تحدث عن العقبات التي تقف في طريق العابد لربه جل وعلا، فجعلها سبع عقبات بدأها بالكفر والشرك، ثم ثنى بعد ذلك بالبدعة، وجعل البدعة بين الشرك والكبائر، لماذا؟
لأن البدع خطورتها تكمن في أن صاحبها لا يعتبر أنه عصى أو أذنب، بالعكس يعتبر نفسه زاد تقربًا إلى الله، فلا يتوب منها، إنما صاحب المعصية يمكن أن يشعر بالخطر، ويقول "ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين"، إنما صاحب البدعة لا يمكن أن يتوب؛ لأنه يعتبر أن بدعته هذه دين، فيزداد في هذا الدين، وكلما ازداد في هذا الأمر ازداد بعدًا عن الله عز وجل، وهذه خطورة البدع.
* لكن البعض يفهم أن الإسلام بهذه الصورة يحارب الإبداع؟
لا، الإسلام إبداع في الدنيا واتباع في الدين، حتى إنني لا استخدم كلمة إبداع فأقول: الإسلام اتباع في الدين وابتداع في الدنيا، والبعض يقول اجعلها: إبداع، فقلت: لا أتركها لكي تبقى واضحة، فمن شأن الإنسان في شؤون الدنيا أن يبتكر ويبتدع، ويخترع، ويسن سننًا حسنة "من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة دون أن ينقص من أجورهم شيئًا"، وعندنا في تاريخ سيدنا عمر "أوليات عمر" فهو أول من عمل التاريخ الهجري، وأول من مصّر الأمصار، وأول من دوّن الدواوين، وأول من ضرب النقود، وأول من اتخذ السجن، فهذه كلها أشياء ابتداعات أو اختراعات.
سماسرة العبادة
* من الإصلاحات في الجانب التعبدي، أشرتم إلى قضية الموازنة بين المادية والروحية، كيف يفهم هذا الأمر؟
المسلم مطالب بأن يعبد الله، ولكنه مطالب أيضًا بأن يعمل للحياة، ومطالب أن يمشي في مناكب الأرض ويأكل من رزق الله، ومطالب أن ينتشر بعد صلاة الجمعة في الأرض ويبتغي من فضل الله، فلابد أن يعطي للعبادة حقها، ولعمل الدنيا حقه.
وميّزة الإسلام هي التوازن بين الروحية والمادية؛ بين عمل الدنيا وعمل الآخرة، والقرآن الكريم يقول من أدعية المؤمنين ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾، وسيدنا أنس يقول: كان أكثر ما يدعو به النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ هذا الدعاء، ومن أدعية النبي المأثورة التي رواها الإمام مسلم في صحيحه "اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها ميعادي، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر" فليس عندنا في الإسلام رهبانية، وأن تحبس نفسك في صومعة لتعبد الله، وتترك الحياة وتترك الناس، وبعضهم يمكن أن يترك أسرته، زوجته أو أمه أو أولاده، وهم يحتاجون إلى من يعولهم، ويذهب إلى الصومعة.
* حتى ولو أراد بذلك وجه الله تعالى؟
حتى ولو أراد بذلك وجه الله، ولذلك القرآن يقول ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ لأنه فوق الطاقة البشرية المعتادة، والإسلام حينما شرع لنا التكاليف، شرّعها بحسب الوسع، ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ فلا يكلف الإنسان ما لا يطيق، ﴿رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾، بالعكس أحاطها بتيسيرات ورخص ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴿ (يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً﴾.
* في الأديان الأخرى، ارتبطت العبادة عادة بأشخاص أو زمان أو مكان، لكن الإسلام خالف هذا الأمر، لو توضحون لنا هذا الموضوع؟
الإسلام حرر العبادة مما كانت مقيدة به في الأديان الأخرى، فهناك أشياء مرتبطة بمكان ومرتبطة بزمان، مثلاً الحج، مرتبط بأداء شعائر في مكان معين، في مكة المكرمة وعرفات ومنى، وكذلك لهذه الشعائر زمانها (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ) وما عدا ذلك فالأصل أن الدنيا كلها مسجد للمسلم (وَلِلَّهِ المَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) "اتق الله حيثما كنت".
ولذلك المسلم يصلي في البيت، ويصلي في المسجد، ويصلي في الصحراء، ويصلي في القطار، وفي السفينة وفي الطائرة، وأذكر وأنا صبي كنت أجد الناس على شواطئ الأنهار والمساقي والترع يفرشون جزءا من القش، ويصلون عليه، وهز هذا المنظر أحد اليهود المصريين، ودخل في الإسلام.
وقد حرّر الإسلام العبادة من رق الكهنوت أيضًا، ففي بعض الأديان لابد من كاهن، تريد أن تتوب تتوب على يد الكاهن، لأنه هو محتكر الوساطة مع الله، لكن الإسلام أبطل هذه الاحتكارات، فالباب بينك وبين الله مفتوح (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) حتى لم يقل فقل إني قريب كما في الأسئلة الأخرى، وإنما أجاب مباشرة ليشعر الإنسان أنه ليس بينه وبين الله أي حائل، فهؤلاء السماسرة في الأديان الأخرى أبطل الله عملهم في الإسلام، وفتح الباب على مصراعيه، أمام كل من يريد أن يتقرب إلى الله تبارك وتعالى.
18/9/2009
القرضاوي: لا يعبد الله إلاّ بما شرع