ألقى الدكتور أحمد نوفل في الورشة التي عقدها المنتدى العالمي للوسطية بعنوان "ترسيخ الفكر الوسطي/الجزائر" وذلك يوم 26/3/2010 وبمشاركة 15 عالما ومفكرا من الجزائر والأردن والمغرب العربي، محاضرة بعنوان "الوسطية مشروع الامة الحضاري.وفيما يلي نص المحاضرة:
الوسطية ليست توليفة أو توافقية بين مذاهب وإنتقاءً منها، ولا هي المتوسط بين تطرفين أونقيضين، وإنما فكر أصيل وطبيعة عميقة في هذا الدين، بل إنها هو، ولو قلنا أن الدين هو اليسر لقلنا حقا وصدقا " ونيسره لليسرى" ولو قلنا أن الوسطية هي البحبوحة والسعة والتيسير ونفي التشدد والتخلص من التطرف والبعد عن الغلو والتنطح في الدين، والتخفف من حرفية الفهم ومواربة العقل. انها مطابقة الفطرة والفطرة هي الدين فالوسطية هي الدين والفطرة وحسن التطبيق وحسن التعامل معهما، إنها بحبوحة الطريق والتطبيق والفسحة التي تتسع لكل السالكين: السابقين وأصحاب اليمين وحتى الذين هم لأنفسهم يظلمون، أخذا بيدهم إلى التغيير والتحسين.
والمشروع اي مشروع هو الجهد المشترك الذي يبدأ بذرة ثم يتنامى ليستغرق مساحة المكان كلها.
المشروع: هو تلمس حاجة الأمة وتقسيم هذه الإحتياجات إلى مجهودات تنجز تباعا حتى ينجز جملة العمل، لتبدأ الأمة مشروعا جديدا...فلا توقف عن العمل والحراك والنهوض، والمشروع الذي اشتغل فيه المجتمع المدني فتحقق بالوحدة، وحقق هو الوحدة، وكان رمزها وعنوانها، المسجد الجامع ثم ابتدأ مشروع التآخي والتكافل الإجتماعي. ثم مشروع الإعداد والتهيئة للمواجهة مع الأعداء..فأنجزت انتصارات متتابعة انتهت بفتح مكة، لتبتديء المشروعات العالمية في المراسلات ثم الحملات التي أرادت تأمين الدعاة فكانت تبوك...
واليوم أعتقد أنه لابد للأمة من مشروع نهوض...
ومشروع النهوض لا بد أن يكون محددا واضحا موزعة الأدوار فيه، مندفع كل حامل أمانة في حمل أمانته بثقة وقوة وإرادة صلبة وعنفوان..فالزمن متأخر، واللحوق بالركب يحتاج إلى همة وتشمير.
مشروع النهوض لا يكون بالتركيز على الصغائر واستهلاك الوسع والطاقة فيها..ولا يكون إلا بتكبير الهدف فوق طاقات المنفذين وإنما يكون بتوزيع المهام وبذل القصارى ومواصلة الليل بالنهار عملا حتى ينجز الهدف.
وهذا المشروع ينبغي أن يكون شاملا للدين كله وللأمة كلها، وطاقات الفرد برمتها: في الصعد كلها: السياسية والعسكرية والثقافية والأدبية والإجتماعية.
النهوض: النهوض هو اليقظة والإستعداد والإحتشاد وفي الطاقات، والإرتقاء وحسن توظيف القدرات، وحسن توظيف الوقت، انه الإستغلال الأمثل لما أودع في الإنسان من طاقة، وفي الأرض من عطاء، وفي الوقت من إمكانية إنجاز، وفي التعاون والتنسيق من قوة وقدرة.
إنه إعلاء بنيان الدين وبنيان الأمة صعدا إلى ما قدر الله من إنجاز وتحسين وترقي وتطور...
إنه حمل الاعباء وأداء الواجبات والقيام بالمهمات وتحقيق عزة الأمة وكرامتها، وقهر الصعوبات والعقبات وتذليل المعوقات.
الحضارة: هي الإنجاز الإنساني والإجتماعي والأممي على صعيد القيم والعلاقات والإبداع المادي.
أو كما يقول مالك بن نبي رحمة الله: إنها ثمرة الإنسان والوقت والكون أو الأرض بتعبيره.
وأن التعطل الحضاري للمسلمين أصاب الإنسانية كلها بالجدب والبوار، ناهيك عما أصاب الأمة من تشوة وانتقاص حقوق وانتهاك حرمات وعدوان على المقدسات ، بل إن الإسلام ذاته مسه من وراء تخلفنا الحضاري وتراجع دورنا الأذى بأن أسيء فهمه وحكم عليه بالأحكام الجائرة كل ذلك جره تخلفنا فكان لزاما وجوب الخروج من هذا التعطل الحضاري وبأسرع من المستطاع.
لقد عانت البشرية من الغلو والتطرف ما عانت، والغلو ليس حكرا على أحد وليس أحد من الأمم منه بمنجاة، فهو مرض يصيب الأمم كلها، كما تصيب الأمراض الناس جميعا.
وكما عمل البشر على التخلص من الأمراض العضوية والمتوطنة في البيئات عليهم أن يعملوا على التخلص من هذا الداء العضال والمرض المزمن قبل الإنتشار والإستفحال، والوسطية هي الحل والعلاج والشفاء والإكسير الفعال.
إن ما تعيشه الأمة من ظرف استثنائي قد يوحي بفعل متطرف كحل لمشكلتنا، والعكس هو الصحيح.
إننا نريد للمشروع النهضوي النجاح والتوفيق، ولا نجاح إلا مع الوسطية، فكم من محاولات للنهوض أو الجهاد أو طرد المستعمر، انتهجت الغلو والتطرف فما حققت إلا مزيدا من انتكاس الأمة وتجذر المستعمر، ولا داعي لضرب الأمثال وتحديد المقال فالأمور اوضح من أن تحتاج إلى مثل ذلك.
إن هذا العدو قد تسلل إلى أدق أماكننا، بنعومة وتدرج، وبذات الطريقة تسلل إلى العالم فأحكم قبضته عليه، والتطرف والغلو سيحشد الأعداء ويجند الأجناد ضدنا...
و المطلوب الحكمة في إيقاظ الأمة والحكمة في مقارعة عدو الأمة الحضاري هي الحل.
اما رأيت إلى نهج المصطفى صلى الله عليه وسلم بما وجهه ربه من اعتماد منهج الرحمة، مصداقا لقول المولى " وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" " فبما رحمة من الله لنت لهم".
صحيح وحق ما يقال أن أوطاننا استعمرت وإن ثرواتنا قد نهبت وإن حقوقنا قد غصبت وإن مقدساتنا قد هددت ومع كل هذا فإن الجراحة المطلوب منا إجراؤها ما هي إلا جزء من رحمتنا بهذه الإنسانية.
يجب ألا ننسى دورنا في المجتمع ورحمتنا، لن نكون صورة عن العدو، ومثلنا الأعلى النبي الكريم، ثم الصديق ثم الصحب الكرام، مرورا بصلاح الدين وتوقفا في مدرسته الحضارية الأخلاقية العظيمة...
إنه المجاهد العظيم الذي حرر المقدسات ولكنه في ذات الوقت القائد الأخلاقي العظيم الذي أعطى الدنيا أغلى الدروس في زمانه وإلى هذا الزمان وآخر الزمان، من كان يتصور وهو الذي نسي الإبتسام لأجل القدس أن يكون موقفه من الصليبيين هذا الموقف.
لقد نسي العالم كثيرا من القادة لكن ذاكرة العالم شرقه وغربه لن تنسى صلاح الدين وما ذاك إلا لرفعة القيم الأخلاقية، وسمو النفسية، المنبثق كل ذلك من المنهج الوسط.
الوسطية ممتدة في الزمن، الغاية هي اصلاح الأرض التي هي المسجد الكبير لعبادة الله
الوسطية مشروع الأمة الحضاري محاضرة للدكتور نوفل