الصناعة المالية الإسلامية يشعل المنافسة بين البنوك العالمية
الصكوك الإسلامية من أفضل أدوات التمويل للمشروعات
حددت دراسة صادرة عن المركز الدبلوماسي للدراسات الإستراتيجية حزمة من التحديات التي تواجه المصارف والبنوك الإسلامية على المستوى العالمي أبرزها ندرة علماء الشريعة المؤهلين لتقييم المنتجات الإسلامية وعدم انسجام المعايير التي تخضع لها المصارف الإسلامية إلى جانب نمو الطلب على المنتجات التمويلية الإسلامية بشكل يفوق العرض فضلا عن تراجع مستويات الإفصاح المالي وعدم وجود سوق مصرفية أو مالية إسلامية منظمة.
وأوضحت الدراسة التي حصلت "الوطن" على نسخة منها أن تطوير المصرفية الإسلامية يقتضي إقرار حزمة من الإصلاحات أبرزها ضرورة الاستفادة من التكنولوجيا والأفكار والتقنيات الجديدة مع التوسع في طرح وابتكار المزيد من المنتجات المالية الجديدة مع تدريب الكوادر وإقرار تشريعات تنظيمية جديدة فيما يبدو خيار الاندماج، بحسب الدراسة، ضرورة.
وكشفت الدراسة عن حالة من السباق المحموم بين البنوك العالمية الكبرى لإطلاق نوافذ إسلامية في محاولة للاستفادة من الفورة التي تشهدها الصناعة المالية الإسلامية.
وأفادت الدراسة أن التمويل المصرفي الإسلامي محفز مثالي لتنمية العلاقات بين الشرق والغرب إلى مستويات جديدة، ويستند هذا التمويل إلى عدة مبادئ أهمها عدم التعامل بالفائدة وعدم تحديدها مقدما أو مؤخرا، ومبدأ المشاركة في تحمل الربح والخسارة، وتغطية التمويل بأصول ثابتة أو أصول تجارية، إلى جانب خضوع جميع مجالاته لأحكام الشريعة الإسلامية، ويتخذ التمويل الإسلامي صورا شائعة أهمها المشاركة والمضاربة والمرابحة.
وتجدر الإشارة إلى وجود عدة فروق بين المؤسسات والبنوك الإسلامية ونظيرتها التقليدية، خاصة فيما يتعلق بالجوانب القانونية والتشريعية، إذ يُسمح للبنوك الإسلامية بالبيع والشراء وتداول الأصول، وذلك على عكس البنوك التقليدية التي يقتصر عملها على الإقراض والاقتراض، فضلا عن المخاطر التي يتحمل البنك الإسلامي جانبا منها، في حين لا يتحمل البنك التقليدي أية مخاطر، فيما باتت الصناعة المصرفية الإسلامية صناعة متكاملة أثبتت وجودها وقدرتها على تقديم البديل المناسب للصيرفة التقليدية، واستطاعت أن تتخذ موقعا مهما على الصعيد العالمي وأن تجذب الاهتمام على جميع المستويات المحلية والإقليمية والعالمية، وعلى الرغم من نجاح الصيرفة الإسلامية، فانه يواجهها العديد من التحديات التي تقف عائقا أمام تطور هذه الصناعة وتحقيقها لمزيد من الابتكارات، كقلة عدد علماء الشريعة المؤهلين لتقييم المنتجات الإسلامية، وعدم انسجام المعايير التي تخضع لها المصارف الاسلامية، الى جانب العديد من التحديات الأخرى.
المصارف الإسلامية
وذكرت الدراسة أن المصارف الإسلامية تختلف عن التقليدية في مجمل تعاملاتها، فالعلاقة بين المودع والبنك التقليدي علاقة قرض بفائدة، بينما تقوم العلاقة في المصارف الإسلامية على عقد المضاربة الشرعي القائم على أساس المشاركة في الربح والخسارة، كما يعد صيغ التمويل أهم بند في جانب الموجودات في المصرف الإسلامي، في حين لا يظهر ذلك في البنك التقليدي ويظهر بدلا من بند القروض المصرفية، وعلى عكس المصرف التقليدي، فان المصرف الإسلامي يتحمل مخاطر العملية التي تقتضي منه تملك السلعة بشرائها أولا ثم بيعها مرة أخرى إلى العميل، وتعمل البنوك الإسلامية على تطوير وتنمية الودائع الإسلامية، كما تسهم في تطوير المجتمعات وإقامة المشروعات وخلق فرص عمل في مختلف الدول على النحو الذي يخدم الوطن والمواطنين.
وشهد قطاع المصارف الإسلامية تطورات هائلة خاصة خلال السنوات الثلاث الماضية، وذلك في ضوء ظهور مصارف جديدة، وتحول بنوك تجارية قائمة إلى إسلامية، إضافة إلى اتجاه الحكومات والمؤسسات لاسيما في دول الخليج إلى إصدار صكوك إسلامية لتوفير التمويل اللازم لمشروعاتها بدلا من الاقتراض.
وبلغ حجم الأصول المالية للبنوك والشركات الإسلامية ـ دون الأخذ في الاعتبار الصناديق الاستثمارية والنوافذ الإسلامية التأمينية ـ نحو 300 بليون دولار عام 2006 والذي يعتبر عاما استثنائيا لصناعة المصارف والتمويل الإسلامية حيث تميز بصفقات كبرى وبالمزيد من التوسع على النطاق العالمي. فضلا عن إنشاء مؤسسات مالية جديدة، وبلغ عدد البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية بنهاية العام ذاته نحو 267 بنكا مقارنة بخمسة بنوك في نهاية السبعينيات من القرن الماضي، موزعة على 45 دولة تشمل معظم دول العالم الإسلامي وأوروبا وأميركا الشمالية، كما قدم نحو 300 بنك تقليدي منتجات مصرفية إسلامية.
ويوجد حاليا 300 مؤسسة مالية في 75 بلدا، ولديها استثمارات تبلغ قيمتها 400 بليون دولار، فضلا عن وجود أكثر من 250 صندوقا مشتركا يتطابق مع المبادئ الشرعية، ويقدر حجم قطاع المصارف الإسلامية عام 2007 بنحو 500 بليون دولار، ويأتي ذلك متواكبا مع نمو المصارف الإسلامية بنسبة 20% سنويا أي ضعف نسبة النمو في المصارف التقليدية، وتشكل التعاملات الإسلامية نحو 1.5% من السوق المصرفية العالمي عام 2007، ويتوقع أن تصل إلى 5% بنهاية عام 2008.
ويعود السبب في إنشاء المصارف الإسلامية في الكثير من بلدان العالم إلى ارتفاع الطلب على المنتجات الإسلامية من قبل العملاء، بالإضافة إلى ارتفاع أرباح المصارف الإسلامية على أساس أنها أكثر مخاطرة، وكلما ارتفعت المخاطرة ارتفع العائد، وتوجد العديد من المؤسسات المالية في الشرق الأوسط والتي تتعامل - بطريقة مباشرة أو غير مباشرة - بالمنتجات المالية أو التمويل الإسلامي أو الاستثمارات المطابقة للشريعة الإسلامية، ويرجع ذلك إلى فرصة الأعمال الثمينة التي يمكن الحصول عليها في الشرق الأوسط نتيجة لطفرة النفط، وتجدر الإشارة إلى أن المنطقة يمكن أن تحقق نحو 20 تريليون دولار من عائدات النفط خلال الأعوام المقبلة، ويمكن استخدام ثلثها في مجال التمويل الإسلامي.
وفي هذا السياق، تجدر الإشارة الى اكتساح ظاهرة المصارف والأدوات الإسلامية في السنوات القليلة الماضية لمنطقة آسيا والباسفيكي، واستقطابها المتصاعد لأموال المستثمرين غير المسلمين، وتنافس عدة دول مثل ماليزيا وسنغافورة واندونيسيا على التحول الى مركز رئيسي لمثل هذه الأنشطة.
فماليزيا على سبيل المثال لديها خبرة أطول وموارد بشرية أكثر تأهيلا في هذا المجال بحكم أسبقية دخولها قطاع المصارف الإسلامية عام 1983، بالإضافة إلى تميز نظامها المصرفي بقاعدة قوية من القوانين، ويوجد بها في الوقت الراهن عدد من البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية التي تستحوذ على أكثر من 10% من إجمالي الأنشطة المصرفية، ويصل إجمالي أصولها إلى 3.5 بلايين دولار، وأكثر من 50% من عملائها من غير المسلمين.
أما سنغافورة فيأتي دخولها القوي لعالم الأدوات المالية الإسلامية انطلاقا من مصداقية نموذجها الاقتصادي واستقرارها السياسي وقوانينها الواضحة ذات الجذور البريطانية، إلى جانب نظامها المصرفي الشفاف، كذلك يوجد في اندونيسيا نحو 23 مصرفا إسلاميا خالصا، وأكثر من 450 مصرفا تقليديا بوحدات إسلامية.
وتسعى اليابان لدخول سوق التمويل الإسلامي، وفي هذا الصدد، أعلن "بنك التعاون الدولي" الياباني عن خطط لإصدار صكوك لاجتذاب الثروات النفطية للشرق الأوسط، كما تسعى الشركات الهندية المتخصصة في قطاع تكنولوجيا المعلومات للمسايرة المصرفية الإسلامية من خلال تصميم برامج الكمبيوتر خاصة تقديم الحلول البرمجية للأعمال المصرفية الإسلامية.
تحركات أوروبية
توجد تحركات قوية من قبل الدول الأوروبية وأميركا نحو الصيرفة الإسلامية والتمويل الإسلامي للحد من تحركات الفائدة المسؤولية عن تضخم أسعار المواد الاستهلاكية في العالم، والجدير بالذكر أن بنك بريطانيا الإسلامي هو أول مصرف يقدم خدمات مالية إسلامية في أوروبا عام 2004، ولديه 35 ألف عميل وثمانية فروع في بريطانيا، وقد اتخذت وزارة المال البريطانية عدة إجراءات لتسهيل عمل المصارف الإسلامية ضمن النظام المصرفي البريطاني، وقررت الحكومة إدراج إجراءات تؤسس لنظام قانوني للخدمات المالية الإسلامية في ميزانية 2007، كما أعلن بنك "لويدز تي اس بي" عن بدء تقديم أكبر خدمة مصرفية في أوروبا تتفق مع أحكام الشريعة الإسلامية وموجهة للشركات في محاولة لجذب رؤوس الأموال الإسلامية، وقام بنك أوف اسكتلاند بفتح نوافذ إسلامية ليقدم من خلالها خدماته المصرفية الإسلامية للمرة الأولى من خلال افتتاحه لأول فروعه في منطقة الشرق الأوسط في البحرين، كذلك سوف يتم فتح أول بنك اسلامي في ايطاليا عام 2008.
وعلى الرغم من النمو الذي يشهده قطاع المصارف الإسلامية في أوروبا والذي تصل نسبته إلى 10% سنويا، فان هذا القطاع ما يزال غائبا عن السوق الفرنسية ـ والتي يوجد بها أكثر من أربعة ملايين مسلم يشكلون أكبر جالية مسلمة في أوروبا والغرب ـ فلا يوجد أي مصرف يوفر الخدمات المالية الإسلامية وذلك في ظل عدم اقتناع المصارف الفرنسية بوجود سوق لهذه الخدمات في فرنسا، بالإضافة إلى عوائق النظام الضريبي التي تعقد هندسة الخدمات المالية الإسلامية وعملها.
وعلى الصعيد ذاته، أدى القبول والانتشار الواسع الذي تلقاه المنتجات المصرفية الإسلامية من غير المسلمين إلى شروع المؤسسات المالية غير الإسلامية في دراسة إمكانية جمع الأموال عبر الوسائل التمويلية الإسلامية مثل بنك سوستية جنرال وبي ان امرو ودويتشه بنك والذي يتواجد بكثرة في دول الخليج وقام بطرح 30 منتجا مصرفيا من أدوات التمويل الإسلامي في أسواق المنطقة.
ويأتي على رأس البنوك الغربية التي تدير عمليات إسلامية بنك HSBC، وبنك "بي. ان. بي باريبا" وستنادارد تشارترد وسيتي جروب ومورجان ستانلي وباركليز كابيتال، بالاضافة الى بنك "ويست ال بي" والذي نظم عام 2006 عددا من الصفقات الإسلامية تصل قيمتها إلى نحو 4 بلايين دولار.
وعلى الصعيد الإسلامي، سمحت عدة دول بتأسيس أكثر من بنك إسلامي، ففي الإمارات على سبيل المثال، تم إنشاء مصرف الهلال الإسلامي برأسمال قدره 4 بلايين درهم، ومصرف عجمان الإسلامي برأسمال يتراوح بين بليون وبليوني درهم، فضلا عن "بنك النور الإسلامي" برأسمال 4 بلايين درهم، كما تحولت بنوك تجارية تقليدية إلى إسلامية مثل الشارقة الوطني الذي تحول غالى مصرف الشارقة الإسلامي، وقام "البنك التجاري الدولي" بفتح نافذة إسلامية من خلال تأسيس شركة تمويل إسلامية برأسمال قدره 500 مليون درهم كبداية للتحول الكامل بعد فترة للصيرفة الإسلامية.
وكدليل على نجاح الصيرفة الإسلامية على مستوى العالم، تم تصنيف بنك "دبي الإسلامي" للعام الثاني على التوالي كمركز متقدم في قائمة أسرع البنوك نموا في العالم من حيث رأس المال والاحتياطات النقدية، حيث صنفت مجلة تابعة لمؤسسة فاينانشال تايمز العالمية البنك في المركز 223 ضمن الألف بنك الأوائل في العالم عام 2007، متقدما عن المركز 677 عام 2005.
ويعود الدافع وراء تحول بعض البنوك التجارية إلى النظام المصرفي الإسلامي إلى ضعف هذه البنوك في السوق المصرفية وعجزها عن المنافسة، بالإضافة إلى انتشار الصيرفة الإسلامية ونجاحها بشكل كبير في الأسواق، إذ يوفر البنك الإسلامي مجموعة متنوعة من المنتجات والخدمات، في حين يمتلك البنك التقليدي منتجا واحدا وهو القرض.
والجدير بالذكر أنه قد نشأت حديثا مؤسسات متعددة الجنسيات لتوفير المساعدة للجهات الحكومية والرقابية على فهم الصيرفة الإسلامية، ولإصدار معايير لتلك الصناعة، وتشمل هذه المؤسسات صندوق النقد الدولي، مجلس الخدمات المالية والإسلامية، بنك التنمية الإسلامي، بالإضافة الى منظمة المحاسبة والتدقيق للمؤسسات المالية الإسلامية.
الصكوك الإسلامية
وعلى صعيد متصل، تعد الصكوك الإسلامية من أفضل أدوات التمويل للمشروعات لأنها تقوم على أساس المشاركة في الأرباح بنسب ثابتة ومحددة مقارنة بالعائد الذي يدفع على وسائل التمويل الأخرى بما فيها القروض المصرفية وإصدار الأسهم الجديدة، وقد احتلت الصكوك الإسلامية الصدارة كقناة استثمارية أساسية خصوصا بالنسبة للمؤسسات المالية الكبرى التي تبحث عن أدوات للاستثمار تتوافق مع الشريعة الإسلامية، وتلبي الصكوك احتياجات المقترضين الذين يصدرونها للحصول على التمويل اللازم لمشروعاتهم الجديدة، كما تشكل للمقرضين أداة استثمار جديدة تؤمن عائدا ماليا مناسبا بأقل درجة من المخاطرة.
وتعتبر الصكوك الإسلامية هي البديل الإسلامي للسندات، وتُصدر مقابل أصول غالبا ما تكون عقارية أو أوراق مالية ذات عائد، ويمكن تداول الصكوك من قبل الجهات المالية التي أصدرتها ويمكن أيضا تحويلها إلى أسهم، ويرجع التوسع الكبير الذي تشهده أسواق الصكوك الإسلامية إلى وجود سيولة كبيرة لدى البنوك وشركات الاستثمار الذين يرغبون في الاستثمار في أدوات استثمارية تتوافق مع الشريعة الإسلامية، والجدير بالذكر أن نسبة كبيرة من هذه المؤسسات توجد في أوروبا وشرق آسيا، وقد تم إصدار عدة صكوك إسلامية من قبل مؤسسات غربية، مثل السندات التي أصدرتها الحكومة في ألمانيا عام 2004 مستهدفة أسواق الشرق الأوسط بشكل خاص، إلى جانب إصدار أول صكوك أميركية عام 2006 لتمويل مشروعات حقول الغاز.
وقد كان الدافع وراء الصكوك في البداية هو الطلب من جانب مسلمي العالم على الاستثمارات الإسلامية، ولكنها الآن أصبحت أداة استثمار تقليدية تجذب المستثمرين من مختلف أنحاء العالم.
وتنمو سوق الصكوك الإسلامية بنسبة 45% سنويا، وبلغت قيمة السندات الإسلامية الصادرة في النصف الأول من عام 2007 نحو 24.5 بليون دولار أي ما يقارب إصدارات عام 2006 بأكمله والتي بلغت 26.8 بليون دولار، ومن المتوقع نمو حجم إصدارات الصكوك الإسلامية إلى أكثر من 100 بليون دولار بنهاية عام 2007.
ومن أهم العوائق لتواجد الصكوك الإسلامية، غياب الإطار التشريعي الواضح والمنظم لعملية إصدار وإدارة الصكوك، فضلا عن غياب المعايير الشرعية التي تتفق عليها الهيئات الشرعية في مؤسسات التمويل، إلى جانب عدم وجود سوق ثانوية فعالة لتداول هذه الصكوك واقتصار التداول في مجمله بين البنوك وعدد قليل من المؤسسات الاستثمارية. –
(وكالة الأنباء الاقتصادية الدولية - www.iepa.ws)
منقول عن جريدة الغد الأردنية
26/4/2009
بنوك عالمية كبرى تتسابق لإطلاق نوافذ إسلامية