خليل العناني* - (فورين بوليسي)
ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
ناشد الشيخ ذو اللحية الرمادية نظراءه الطامحين في خوض الانتخابات الرئاسية الانضمام إليه في مؤتمر صحفي سيعقده في مسجده الاعتيادي. وبينما راوغ متحدوه، وقف الشيخ وسط المئات من أتباعه وداعميه للاحتجاج وللهتاف ضد إحالة مجموعة من المدنيين إلى المحكمة العسكرية. ولقد استطاع حازم صلاح أبو إسماعيل، الإسلامي المخضرم البالغ من العمر 51 عاماً، أن يقيد أتباعه على نحو آسر، بفضل ميزاته الرئاسية والكاريزمية، على الأقل من الناحية الخطابية. ومن الواضح أن عرض أبو إسماعيل كان محاولة ذكية للإعلان عن إطلاق حملته لانتخابات الرئاسة. ومع ذلك، فإنها تعكس أيضاً كيفية إحساس الإسلاميين الجدد "غير الرسميين" بأنظمة الحكم. وبالنسبة لهم، فكل أنظمة الحكم مجال للسرد. وتقف عملية تفكك المشهد الإسلامي في مصر لتكون علامة بارزة لحقبة ما بعد مبارك. فبعد الركود والسيطرة من جانب قوة واحدة وحسب، الإخوان المسلمون، أعيد تشكيل المشهد الإسلامي على نحو حاد. ولقد نجم أكثر من 15 حزباً إسلامياً بشكل رسمي أو غير رسمي بعد الثورة بينما غطت أعداد ضخمة من الإسلاميين الفضاء العام بحرية وبلا ألم في الأثناء. وثمة برلمان يهيمن عليه الإسلاميون. ويبدو أن إغواء الأنظمة السياسية قد غمر الإسلاميين.
ومع ذلك، وبينما انهمك العديدين بــ "ارتقاء" الإخوان المسلمون والسلفيين المحافظين بشدة، يدخل الإسلاميون "غير الرسميين" إلى أنظمة الحكم بقوة وحرية. فهم، على الصعيد الرسمي، ليسوا مرتبطين مع أي حركة إسلامية. كما أنهم ليسوا بحريصين على تشكيل تنظيماتهم الخاصة. وما يثير السخرية أنهم آثروا الانضمام إلى أي أحزاب إسلامية جديدة. وبالإضافة لذلك، وبينما هرول الإسلاميون الرسميون مندفعين نحو الأنظمة السياسية، مثل الإخوان المسلمين والدعوة السلفية والجهاديين السابقين، فإن الإسلاميين "غير الرسميين" يفضلون اللعب خارج إطار العمل الرسمي. وتراهم يعملون بزهو في السوق الدينية الجديدة المتمددة التي ازدهرت في مصر منذ الثورة.
وتتسم مظلة الإسلاميين "غير الرسميين" بأنها متسعة ومتنوعة. فهي تضم كل طيف اللاعبين الدينيين. وبدءاً من الشيوخ السلفيين الكلاسيكيين، بمن فيهم الوعاظ الشعبيون محمد حسن ومحمد حسين يعقوب وأبو إسحق الهويني إلى المنشقين عن الإخوان المسلمين مثل الإسلامي المعروف جيداً ومرشح الرئاسة المصرية المحتمل عبد المنعم أبو الفتوح إلى الإسلاميين المستقلين مثل الشيخ يوسف القرضاوي المتمركز في قطر والمحامي والمفكر الإسلامي محمد سليم العوا، يهيمن الإسلاميون "غير الرسميين" على الفضاء العام الجديد في مصر بعد الثورة. ونرى أن كلهم وعاظ مفوهون وكارزميون ومؤثرون. ومن هنا، فإن أتباعهم ومؤيديهم عصيون على التقدير.
وثمة ثلاثة فوارق كبيرة بين الإسلاميين "الرسميين" والإسلاميين "غير الرسميين". أولاً، فبينما يعول الإسلاميون "الرسميون" بثقل على بنيانهم التنظيمي للوصول، نجد أن الإسلاميين "غير الرسميين" يعولون على شبكاتهم الاجتماعية (القرابة والصداقات والعائلات... الخ) بالإضافة إلى تأسيس موطئ قدم لهم في الفضاء العالمي (الانترنت والفيسبوك ووسائل الإعلام... الخ) من أجل توسيع قاعدة جمهورهم. ومن هنا فهم أحرار من التبعات والأعباء التنظيمية كما والمسؤوليات.
ثانياً، وحيث إن السابقين الذكر يتسيدون المشهد في الطبقتين الدنيا والمتوسطة، فإن الآخرين يشكلون ظاهرة متقاطعة. ولديهم أتباع من الطبقات الاجتماعية المختلفة: الحضريون والريفيون والفقراء والأثرياء والمدارس والجامعات... الخ. وبالنسبة لهم يعد البائعون المتجولون مهمين شأنهم شأن بروفسورات الجامعات.
ثالثاً، بينما يرعى الإسلاميون "الرسميون" الطريقة التقليدية في رفع سوية أجندتهم لإنجاز أجندتهم، نرى إن الإسلاميين "غير الرسميين" وقد قلبوا المسار وهم يسعون للنفاذ إلى الدولة. هم لا يستهدفون أسلمة الأفراد أو إعادة تأطير المجتمع وإنما تمكينهم من مواجهة القابضين على السلطة. والأهم من ذلك، أنهم يستهدفون أعضاء التنظيمات الإسلامية "الرسمية". ومن هنا فهم يجسدون قلقاً حقيقياً بالسبة للإسلاميين "الرسميين" مثل قضية أبو الفتوح مع الإخوان المسلمين وقضية أبو إسماعيل مع حزب النور السلفي.
ومع ذلك، فإن الجزء الأهم في القصة سيأتي تالياً. فالرئيس المصري التالي من الممكن أن يكون إسلاميا "غير رسمي". وعند هذه النقطة، ثمة ثلاثة مرشحين ثقيلي الوزن يخوضون السباق نحو الرئاسة. أبو الفتوح وأبو إسماعيل والعوا الذين شنوا حملاتهم لضمان مصادقة أعضاء البرلمان الـ 30 المطلوبين أو الـ 30000 شخص في على الأقل 15 محافظة من محافظات مصر الـ 18 لخوض السباق.
الأول قائد إسلامي أيقوني له تواجد سياسي ملحوظ. ولقد جعل منه خطابه الأصيل والمميز واحداً من أكثر الإسلاميين النافذين في مصر طيلة العقود الثلاثة الماضية. وهو يجمع فسيفساء أيديولوجية تنطوي على وجهات نظر إسلامية وليبرالية ويسارية تلقى أصداء لدى العديدين من النظارة المختلفين. ومنذ أن خرج عن الإخوان المسلمين في أيار (مايو) الماضي أصبح أكثر قوة ونفوذاً بين الشباب المصري وخاصة الإسلاميون الذين يعتبرونه بمثابة "أردوغان" مصر، كما قال لي أحدهم مؤخراً. وبالإضافة إلى ذلك، أصبح أبو الفتوح بالنسبة للعديد من الليبراليين واليساريين "مرشح الثورة" في أعقاب انسحاب محمد البرادعي من السباق الرئاسي.
أما بالنسبة للسيد "أبو إسماعيل،" فهو يمثل قضية كبيرة جداً للإسلامية "غير الرسمية". فمن جهة، تراه ليس بعضو رسمي في أي حركة إسلامية. ويلعب على الخطوط التقسيمية بين حركة الإخوان والسلفيين. وهكذا، فهو يوظف روابطه السابقة "غير الرسمية" مع حركة الإخوان للحصول على دعمهم الشعبي. وفي نفس الوقت تراه يستغل مظهره السلفي لاجتذاب الدوائر الانتخابية السلفية. ومن جهة أخرى، قفز أبو إسماعيل إلى الأنظمة السياسية بعد الثورة من خلال خطابه السياسي المعادي وعديم الجدوى ضد العسكريين. وزيادة على ذلك، يستثمر أبو إسماعيل كثيراً في وسائل الإعلام السلفية للوصول إلى داعميه. وتتردد أصداء خطابه الشعبي المبسط والشعبوي عند العديد من المصريين الذين يعتبرون الدين كعربة للتغيير.
وعلى الرغم من ذلك، يعد العوا الماركة الأكثر وضوحاً في عداد الإسلاميين "غير الرسميين". فقد أسس لنفسه، على مدار العقدين الماضيين كمفكر إسلامي. وهو واحد من مهندسي "الوسطية" أو مدرسة الفكر الوسطية. ومن هنا نجد أن أصداء خطابه السياسي تتردد في صفوف الطبقتين الوسطى والعليا. وإلى وقت قريب، كان شخصية تحظى بالاحترام الكبير بين الإسلاميين قبل أن ينزع التأهيل عن نفسه باصطفافه إلى جانب الزمرة في بعض المناسبات. وبالإضافة إلى مهاراته الخطابية، فإنه يتمتع بحدس سياسي استثنائي وباستطاعته لعب كل الأوراق في نفس الوقت. وعلى الرغم من روابطه غير الرسمية مع الإسلاميين" الرسميين" (مثلاً الإخوان المسلمين وحزب الوسط) تراه يحرص على تصوير نفسه كمفكر "إسلامي". وينبثق القبول الذي يتمتع به العوا لا من مظهره كجنتلمان "أنيق" ينتمي للطبقة الوسطى وحسب بل أيضاً من أرصدته الفكرية. وتمثل كتاباته البارزة عن الإسلام والقضايا الإسلامية مصدراً حيوياً لكل الإسلاميين. ومع ذلك، فإن موقفه السياسي وكذلك تكتيكاته تنطوي على نذر، وهي ذات نتائج عكسية. وبينما يناشد العامة، تراه يساوم المجلس العسكري الذي وضع مصداقيته على المحك.
وعلى نحو ينطوي على المفارقات، فإن العلاقة بين الإسلاميين "غير الرسميين" تتسم بالتفكك والغموض. وعلى الرغم من أنهم أنداد على نحو معمق، فهم يميلون إلى التصرف وكأنهم زملاء وشركاء. وحتى الإسلاميون "غير الرسميين" الذين لا يخوضون السباق الرئاسي يتنافسون لكسب قصب السبق في الفضاء العام. وكلهم سوية يدخلون حقبة جديدة من السياسات الإسلامية التي يمكن وسمها بأنها النزعة الإسلامية "فيما بعد المأسسة".
*عالم في كلية الحكم والشؤون الدولية في جامعة درهام وزميل زائر سابق في معهد بروكينغز.
نشر هذا المقال تحت عنوان:
The advent of "informal" Islamists
جريدة الغد: 29/03/2012
حلول الإسلاميين "غير الرسميين"