أثارت اتفاقية إلغاء كافة أشكال التمييز ضد المرأة "سيداو" جدلا كبيرا واختلافا في الآراء في أوساط منظمات المجتمع المدني، نسائية من جهة وإسلامية من جهة أخرى بين مؤيد ومعارض.
ففي حين تنادي المنظمات النسائية برفع التحفظات الأردنية على الاتفاقية تشدد "المنظمات الإسلامية" على ضرورة الإبقاء على هذه التحفظات منتقدة توقيع الأردن عليها من الأساس.
وزاد الجدل واحتدم في أعقاب قرار الحكومة قبل قرابة الشهرين والذي قضى بإلغاء تحفظها على الفقرة 4 من المادة (15) من اتفاقية "سيداو" ونصها "تمنح الدول الأطراف الرجل والمرأة نفس الحقوق فيما يتعلق بالقانون المتصل بحركة الأشخاص وحرية اختيار محل سكناهم وإقامتهم".
وأوجد إلغاء هذا التحفظ حراكا بين المنظمات النسائية التي لم تكتف بالتأييد وإنما أثار شهيتها للمطالبة برفع المزيد من التحفظات مثل ذاك التحفظ على إعطاء المرأة الأردنية المتزوجة من أجنبي الحق بإعطاء جنسيتها لأبنائها، وهو الأمر الذي لم يرق للمنظمات الإسلامية التي ترى ببنود الاتفاقية مخالفة للشريعة الإسلامية.
وتتيح الاتفاقية المكونة من 30 بندا للدول الموقعة عليها التحفظ على أي من بنودها، ما سمح للأردن بإبداء التحفظ بموجب المادة (28) من الاتفاقية على ثلاث مواد أولاها الفقرة الثانية من المادة التاسعة ونصها "تمنح الدول الأطراف المرأة حقا مساويا لحق الرجل فيما يتعلق بجنسية أطفالهما".
وبالإضافة إلى الفقرة الرابعة من المادة (15) تحفظ الأردن على الفقرات (ج، د، ز) من المادة (16) التي تطالب الموقعين عليها باتخاذ جميع التدابير اللازمة للقضاء على التمييز ضد المرأة في كافة الأمور المتعلقة بالزواج والعلاقات الأسرية على أساس تساوي الرجل والمرأة في نفس الحقوق والمسؤوليات أثناء الزواج وعند فسخه، ونفس الحقوق "بغض النظر عن حالتها الزوجية في الأمور المتعلقة بأطفالها"، في حين تعطي الفقرة (ز) المرأة نفس الحقوق في اختيار اسم الأسرة والمهنة والوظيفة.
"المنظمات الإسلامية" بدورها عبرت عن اعتراضها ونقدها للحراك النسائي باتخاذها سلسلة إجراءات كان آخرها أمس حيث رفع "المنتدى العالمي" ثلاث مذكرات للحكومة ورئيس مجلس الأعيان ورئيس مجلس النواب طالب فيها بعدم رفع التحفظات مع انتقاده موافقة الحكومة من الأساس على بنود هذه الاتفاقية.
المذكرات التي وقعها 62 عالم شريعة من الجامعات الأردنية طالبت بعدم الاستجابة للضغوط التي تمارس على الحكومة لإلغاء التحفظات على اتفاقية سيداو.
وأكدت المذكرات التي رفعها الأمين العام للمنتدى العالمي المهندس مروان الفاعوري أن علماء الشريعة ورجال الفكر والدين يطالبون بعدم رفع التحفظات عن بعض بنود اتفاقية سيداو "التي تتناقض مع أسس الشريعة الإسلامية وتسهم في تفكيك الأسرة وتخل بمكانة المرأة المسلمة". وأعرب المنتدى عن أمله في أن تكون مذكرته موضع اهتمام والتي جاء فيها "لأنكم الحريصون على قيم هذه الأمة ومرجعيتها الإسلامية المنسجمة مع الدستور والقانون".
وجاء في نص المذكرة "إننا كعلماء للشريعة نؤمن بحقوق المرأة والعمل على أن تـأخذ المرأة مكانها الصحيح في المجتمع وتلعب دورا في العمل والبناء والإصلاح وأن تمارس حقها في العمل في المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية وان تأخذ حقوقها الصحية والتعليمية سواء بسواء مع الرجل فالإسلام لا يؤمن بمبدأ الصراع بين الرجال والنساء وإنما التعاون والتكامل دون أفضلية لأحد على أحد لقوله تعالى: "إن أكرمكم عند الله اتقاكم".
نشاط آخر للمنظمات الإسلامية سبق هذه المذكرات تبنته جمعية العفاف الإسلامية تمثل في إصدار بيان سجلت فيه عدة ملاحظات على نصوص الاتفاقية خاصة تلك التي أبدى الأردن تحفظه عليها مؤكدة إنها "تتصادم ليس فقط مع الدين الإسلامي ولكن مع الفطرة البشرية وثوابت ثقافة الأمة العربية والإسلامية".
ولم تقف المنظمات النسائية موقف المتفرج من فعاليات المنظمات الإسلامية إذ سارعت العديد منها لعقد ورش عمل وندوات توضح بنود اتفاقية سيداو ورأيها فيها، كان آخرها ورشة بعنوان "اتفاقية القضاء على جميع اشكال التمييز ضد النساء (سيداو) "نظمتها مؤخرا اللجنة الوطنية لشؤون المرأة لعدد من القضاة ركزت فيها على أهمية إعمال الاتفاقية في المحاكم الأردنية واعتمادها مرجعية في المحاكم معتبرة ذلك "ضرورة ملحة".
وأكد المشاركون في الورشة أن تبني الأردن للاتفاقية ينبع من إيمانه وسعيه للقضاء على كافة أشكال التمييز والتفرقة التي تمارس ضد المرأة على أساس النوع الاجتماعي.
كما رأوا في تبنيها من قبل الأردن "اعترافا منه بأهمية أن تصبح المرأة عاملة ومشاركة ومنتجة في المجتمع"، داعين الى العمل على "عكس هذا الإدراك على الأفراد والمؤسسات والحكومات في جميع المناطق".
وسيشهد الأسبوع المقبل العديد من الفعاليات للمنظمات النسائية للحديث عن الموضوع ذاته ، إذ ينظم الملتقى الإنساني لحقوق المرأة السبت المقبل ورشة عمل بعنوان "اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة وإعداد التقارير"، في حين يشهد اليوم ذاته "اليوم المفتوح لإطلاق حملة المساواة" تنظمه عدد من الجمعيات والمنظمات النسائية.
كما يعقد مركز الأردن الجديد للدراسات بالتعاون مع مؤسسة فريدوم هاوس مائدة مستديرة الثلاثاء المقبل تحت عنوان "اتفاقية سيداو والتشريعات الأردنية الخاصة بالمرأة".
وكان الأردن سجل موافقته في الأول من آب (أغسطس) 2007 على الانضمام إلى الموقعين على اتفاقية سيداو مع تسجيله التحفظ على بعض موادها لاعتبارات دينية وسياسية، في حين كانت الجمعية العامة للأمم المتحدة اعتمدت في 18 كانون الأول (ديسمبر) 1979، اتفاقية سيداو على أن تدخل حيز التنفيذ كاتفاقية دولية بعد موافقة عشرين دولة عليها وهو ما تحقق في 3 أيلول (سبتمبر) 1981. وبحلول الذكرى السنوية العاشرة للاتفاقية عام 1989، كان ما يقرب من مائة دولة وافقت على الالتزام بأحكام الاتفاقية.
منقول عن جريدة الغد الأردنية
25/4/2009
رانيا الصرايرة
62 عالم شريعة يطالبون الحكومة عدم الاستجابة لضغوط الغاء التحفظات على اتفاقية سيداو