د. نارت قاخون
حين تختلف الآراء والاتّجاهات حول قضيّة من القضايا في مجتمعٍ ما، فإنّ مجموعة من الأسس أظنّ أنّها ينبغي أن تحقّق ليكون الجدل في الفضاء العام جدلاً صحيّاً منتجاً يؤسّس لحراك مجتمعيّ تقدميّ، ومن هذه الأسس:
1. أن يقدّم كلّ اتّجاهٍ رأيه إلى الطرف المخالف بطريقة "مفهومة"، والمقصود بالفهم هنا هو "المخالف" لا الموافق؛ لأنّ الجدل والاختلاف يحصلان عندما تنتقل الفكرة أو الرأي من حيّز فرد أو جماعة خاصّة أو مذهب فكريّ بعينه إلى فضاء النّقاش العام الذي يشكّل جزءاً منه "آخرون" لا يُفترض بالضّرورة أنّهم يفهمون المنطق الخاصّ لمن يطرح الرأي، لذلك ينبغي على مَن يطرح رأيه للنّقاش العام أن يتخلّص من المصطلحات الفنيّة المتخصّصة التي لا يفهمها إلا أهل الاختصاص، أو تلك المفاهيم التي لها دلالات خاصّة في سياق فكرٍ ما، أو مذهبٍ ما، وليس لها الدلالات والإيحاءات نفسها عند مَن هم ليسوا من أهل هذا الاتّجاه أو المذهب، فلكلّ تخصّص معرفيّ ومذهب فكريّ واتّجاه سياسيّ معجم فيه بعض المفاهيم الخاصّة التي قد لا يشاركهم فيها المخالفون أو غيرهم من مكوّنات الفضاء المجتمعيّ؛ فحين يتكلّم الفقيه أو القانونيّ أو الطبيب أو الشيعيّ أو السنّيّ في قضيّةٍ ما مع أهل تخصّصه ومذهبه، فمن الجائز بل الطبيعيّ أن يتكلّم معهم بما يفهمون ويعرفون من المفاهيم والمصطلحات دون أن يُطالب بتجاوز المعجم الخاصّ لاختصاصه ومذهبه، ولكن لا ينبغي له أن يفرض هذا الفهم على فئات لم تعتد هذه المفاهيم بالدّلالات نفسها، فحين يقول فقيه عن شخصٍ ما "إنّه أصوليّ من طراز رفيع"، فإنّ أهل الفقه والمشتغلين به يعلمون دلالة كلمة "أصوليّ" وإيحاءاتها الإيجابيّة التي تعني أنّه شخص متمكّن من علوم أصول الدّين والفقه. ولكن كلمة "أصوليّ" في السياق العام غير التّخصّصيّ اكتسبت دلالات "سلبيّة"، فصارت تعني "التّطرّف والتعصّب الدّينيّ"، وبغضّ النّظر عن الموقف الرافض لهذا التحوّل الدّلاليّ، فإنّني أتحدّث من منطلق حصول التّحوّل واقعيّاً، فسواء رضينا أم لم نرضَ فقد أصبحت لكلمة "الأصوليّ" هذه الدّلات السّلبيّة، كما حصل لكلمات كثيرة مثل "الإرهاب" الذي جاء في القرآن مقصداً مشروعاً ومطلوباً في قوله: "وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ..." (الأنفال، الآية 60)، ولكنّ الكلمة أصبحت ركناً ركيناً من المفاهيم السّلبيّة والمرفوضة في سياق اللغة العامّة في زماننا، مؤكّداً مرّة أخرى أنّني لا أقرّ هذه التحوّلات ولا أقلّل من واجب تصحيحها وإزالة ما أصابها من "تحريف" و"انحراف"، ولكنّني أتحدّث عن جدل عام في فضاء محكوم بدلالات وإيحاءات لا تخلو من أشياء كثيرة لا تقبلها مذاهب أو فئات أو اتّجاهات أخرى، أي ليس لها الدّلالة المشتركة الواحدة بين جميع مكوّنات الفضاء المجتمعيّ، وهنا أرى أنّ مَن يقدّم رأيه لغيره ينبغي أن يراعي اختلاف الدّلالات وإيحاءاتها النفسيّة والثّقافيّة من منطلق الوعي بالواقع دون أن يمنع ذلك من العمل على تصحيح المفاهيم في اتّجاه موازٍ، ولكن حين يكون الجدل "حارّاً"، والقضيّة المثارة قضيّة عالية الاستقطاب وتحتمل التّصيّد من المخالف فإنّ أولويّة فهم المخالف دون ارتباكٍ وقلقٍ في المفاهيم والمصطلحات تفرض -من وجهة نظري- أن لا يقدَّم الرأي إلا بلغة وتراكيب ومفاهيم لا تمكّن مَن يريد حرف النقاش عن غرضه الأساس، ومقصده الأوّل من ذلك.
2. لا يكفي أن يُقدّم الرأي للآخرين بما يفهمون، بل ينبغي أن يُقدّم بطريقة يُتوقّع منها أن تحظى بـ"القبول" من الآخرين، و"القبول" أو "التّقبّل" مرحلة فوق "الفهم"، فقد أفهم شيئاً ولكن لا أتقبّله، فإذا كان الفهم نتاج المرجعيّات اللغويّة والدّلاليّة، فإنّ "التقبّل" و"القبول" وإمكانهما نتاج المرجعيّات الفكريّة والثقافيّة، فحين يحتجّ مسلم يؤمن بحفظ القرآن وسلامته من التّحريف على رأيه أو قناعته هذه بقول القرآن "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ" (الحجر، الآية 9)، فهذه حُجّة قد يفهمها المخالف لقناعته، ولكن لن يتقبّلها لأنّها تنطوي على جملة من المغالطات؛ فهي تحتجّ بموضع الخلاف وأصل الجدل على القضيّة نفسها، فإيراد آيات قرآنيّة بمعرض الاحتجاج لا يكون موضع قبول وتقبّل إلا عند مَن يؤمن بالقرآن وبحجّيّته، أمّا مَن يُجادل في ربانيّة القرآن وصحّته وحجّيّته فلا يصلح أن نحتجّ معه بآيات من القرآن، وهذا الإخلال بمبدأ مقبوليّة الرأي وحجّته عند المخالفين شائع في خطابات زماننا.
وهنا تظهر مشكلة تمسّ مفهوم الفضاء المجتمعيّ العام، وهي "ما المرجعيّات الفكريّة والثّقافيّة" المشتركة التي تحظى بقبول جميع الفئات والمذاهب والاتّجاهات" حتى يكون طرح الآراء متّسقاً معها؟ وهي قضيّة لا يُمكن التخلّص من آفاتها واضطراباتها إلا في مجتمع استقرّت فيه أعراف "العقل العام" كما يسميّه الفيلسوف الأميركي "جون رولز"، ولكنّه يطرح الأمر من منطلق "الليبراليّة السّياسيّة الديمقراطيّة العَلمانيّة"، فما ملامح "العقل العام" ومكوّناته في مجتمعات ليست مستقرّة في أعراف "الليبراليّة السّياسيّة"؟ أو مجتمعات لها خبرة ثقافيّة وأطر مرجعيّة أخرى؟
لذلك فإنّ الجدل في القضايا العامة قبل استقرار "العقل العامّ ومرجعيّاته" سيكون محفوفاً بكثير من المظاهر السّلبيّة، والجدل "العبثيّ"؛ فعلى الرّغم من أنّ بعض المجتمعات العربيّة تعيش في دولٍ ترفع شعارات:"دولة الدّستور والقانون والمؤسّسات والمواطنة" فإنّ هذه المفاهيم لا تُحقّق حضوراً واقعيّاً مستقرّاً ومنسجماً مع متطلّبات كلّ ركن من هذه الأركان، ولا تزال تلك "الدول" و"الحكومات" قبل غيرها أكثر الفئات "انتهاكاً لهذه المفاهيم" والأطر الناظمة والحاكمة للمجتمع، لذلك لا يُستغرب أن تكون "الحكومات" جزءاً بل سبباً في "الجدل العبثيّ"، وتضييع المقاصد الرئيسة من أيّ قضيّة جداليّة، يشاركها في ذلك فئات من المثقّفين على اختلاف اتّجاهاتهم لا يراعون الأطر العامة للمرجعيّات إن وجدت، ولا يحاولون بناء هذه الأطر الجامعة إن لم تكن موجودة، وفي الجدل الدائر حول "المناهج والكتب المدرسيّة"، ومفهوم "الدّولة المدنيّة" أكبر مثال على فوضى الجدل في مستوى "الفهم" و"التّقبّل"؛ فلا المفاهيم والمصطلحات مشتركة، ولا المرجعيّات واضحة ومشتركة.
ورغم ذلك كلّه فإنّ ما يحدث مع كلّ سلبيّاته واستقطاباته واستفزازاته ومحاولات توظيفه وتصيّده يُعدّ ضرورة من ضرورات ما قبل استقرار أعراف "العقل العام" ومرجعيّاته، ولكن تكمن الخطورة في أن نقع أسرى لهذه المرحلة دون تجاوزها، ممّا يؤدّي إلى تفكّك المجتمع وزوال وجوده قبل أن نصل إلى تأسيس العقل العامّ له، وفي هذا الإطار فإنّ مسؤوليّة مَن يسمّون بـ"النّخب"، أو أصحاب السّلطة السياسيّة والفكريّة تتضاعف أضعافاً كثيرة؛ فإن قبلوا بمنطق "المماحكات" و"الاتّهامات" و"الاكتفاء بتجييش مشاعر الجمهور" لكسب نقاط آنيّة مرحليّة سريعة فإنّ النتائج لن تكون مُرضية ولا صحيّة على الدّولة والمجتمع معاً.
3. ينبغي لمن يقدّم رأياً بعد أن يُقدّمه بطريقة يفهمها الآخر، ويُمكن أن يتقبّلها أن يفترض أنّ الآخر لن يقبل به أيضاً؛ فالنقاش العامّ لا يفترض زوال اختلاف الآراء، وتحوّل الجميع إلى رأي واحد عن فهم وتقبّل واقتناع، بل غايته أن يُدير هذا الاختلاف لنصل إلى آلية تمكّن من اختيار رأي من الآراء ليصير رأياً عامّاً ومُلزماً للجميع ابتداءً بمن يخالفه وانتهاء بمن يؤيّده، وفي هذا الإطار تقترح الدولة الحديثة المؤسّسة على "الليبراليّة السّياسيّة" الإطار "الديمقراطيّ التمثيليّ الانتخابيّ التصويتيّ" لإدارة هذه الاختلافات، فهل يُشكّل هذا الإطار حلاً مناسباً مقبولاً في مجتمعاتنا؟ من أجاب بـ"نعم" فعليه أن يسعى لإقامة هذا الإطار في بنيان المجتمع ثقافيّاً وسياسيّاً ومؤسّساتيّاً وممارسة حياتيّة، ومَن أجاب بـ"لا" فعليه أن يُقدّم مقترحاته البديلة مشفوعة بالحجج ومعايير الأفضليّة والنفع العامّ. والواقع أنّنا نعيش في مجتمعاتنا العربيّة أو بعضها على الأقلّ مرحلة يُمكن أن أسميها بـ"لعم"، فلا هي "نعم" خالصة مستقرّة مدعومة بوعي عام وممارسة منتظمة ومتّسقة، ولا هي "لا" صريحة واضحة مدعومة ببدائل كافية فكريّاً وسياسيّاً ومجتمعيّاً.
وللحديث في هذه القضايا تتمات وتفاصيل قد يكون لها حظّ في مقالات مقبلة.
في سبيل "العقل العامّ" وإدارة الجدل والاختلاف المجتمعيّ