• ماهي رؤيتك للوطن العربي الذي يمر بأزمات؟ وخلافة الدولة الإسلامية؟ وجذور حركات التطرف الدينية؟
- الوطن العربي يعيش في نهايات أيام النظام العربي الذي تكون بعد الحرب العالمية الثانية، والذي قوامه نظم سياسية تقوم على الانقلابات العسكرية، أو على الوراثة، أو على الوصاية الأجنبية، مع تغييب كامل لدور الشعوب وإرادتها، هذا النظام آيل إلى السقوط ، فبعد ثورتي تونس ومصر وماتبعهما؛ فإن منطقا جديدا بدأ يتشكل، والآن الوطن العربي تتصارع فيه ثلاث تيارت:حراس النظام العربي الآيل للسقوط، والدواعش، وتيار الاصلاح السياسي؛ الذي يرفع شعار الديمقراطية، ودولة المواطنة، وكفالة حقوق الإنسان، وفي تقديري فإن المستقبل للتيار الآخير إذا أحسن التصرف، وقام بتشبيك تنظيماته، واستخدم كافة الوسائط والوسائل التي تحول الأفكار إلى ثقافة مجتمعية وحراك مجتمعي؛ فالساحة العربية تمر الآن بمرحلة مخاض سيتولد عنه نظام جديد، يقوده جيل مبرؤ من قيود التبعية والانكفاء، ومتحرر من عقدة الدونية والانبهار بالوافد، ولديه استعداد نفسي وفكري للتعامل مع العصر بمنطقه، رأيت ذلك عند الشباب المصري، ولمسته عند الشباب الخليجي، وشاهدت آثاره عند الشباب الشامي، وأراه يتبلور عند الشباب السوداني، أتمنى أن يسفر الصبح عن نظام جديد في منطقتنا لصالح الشعوب المنكوبة والمستضعة.
• الثوابت الدينية تعتبر غير محددة، وتختلف من مذهب إلى مذهب، ومن بلد إلى بلد، ومن شخص إلى شخص. فثوابت السودان الدينية ليست هي ثوابت السعودية، وثوابت الشيعة الدينية ليست هي ثوابت السنة ، ماهي الثوابت الدينية لدينا؟
- الإسلام الدين الخاتم ثوابته واضحة تتمثل في قواعد الإسلام، وأركان الإيمان، وهي التوحيد، والنبوة، والغيب، والعبادات، والكتب المنزلة، والمعاد؛ هذه هي الثوابت التي يجتمع عليها أهل القبلة. وما تتميز به الدول والمذاهب والجماعات من تباينات؛ لا تعدو أن تكون اجتهادات بشرية وإن أطلق عليها البعض عبارة الثوابت الدينية، فهي اعتقادات تخص أصحابها، والعقيدة هي تصور الإنسان للإيمان والكون والحياة ودور الإنسان في الوجود.
أتصور أنه آن الأوان لقيام حوار جاد داخل الأمة المسلمة باختلاف مذاهبها وجماعاتها وتياراتها لمناقشة الآتي:
أولا: تحديد الثوابت الدينية الملزمة، والاتفاق عليها وتنزيلها لكافة أفراد المجتمع المسلم حتى يكون الفرد المسلم ملما وواعيا بها ليحمي نفسه من شطط الغلاة والجهلاء.
ثانيا: الاتفاق على احترام الإجتهادات في غير الثوابت، مهما اختلفت لأن مشروعية الاجتهاد يترتب عليها أجر لكلا المجتهدَيْن المصيب والمخطئ.
ثالثا: مناقشة موضوع التكفير وتوابعه، كالتبديع، والتفسيق، والاتهام بالزندقة، والاتفاق على تحريم التكفير من أي فرد أوجماعة ضد مخالفيها، وأن التكفير حكم شرعي لايصدر إلا من جهة قضائية بعد توفر البينات وكفالة حق الدفاع للمتهم.
رابعا: الاتفاق على معالم النظام السياسي للدولة الإسلامية ، ونشره ليكون ثقافة مجتمعية، فمعظم الحروب الدائرة اليوم في العالم الإسلام تعود إلى الصراع حول السلطة.
خامسا: مناقشة التحولات التي طرأت في الكون؛ وبالأخص في العلاقات الإجتماعية والدولية؛ للاتفاق على النظرية الإسلامية، وتحديد معالمها ومنهجها للتعامل مع هذه المستجدات.
سادسا: الاتفاق على منهج التعامل مع الآخر الملي، في ضوء التطورات التي حدثت في العلاقات بين المنتسبين للأديان السماوية وغيرها.
سابعا: الاتفاق على الأسلوب الأمثل لخطاب الدعوة الإسلامية في ظل عولمة الاتصالات، والمواصلات، والاعلام، والاقتصاد، وحقوق الإنسان، والنظام الدولي.
في اعتقادي إذا اتفق المسلمون على النقاط السابقة وحولوها إلى برامج واقعية؛ سوف نكتب لأنفسنا عمرا جديدا تتحقق فيه عزة المسلم، ويستعيد مجده، ويحقق دوره في الشهود الحضاري.
• في الحديث عن عائشة رضي الله عنها موضوع المرأة المخزومية التي سرقت وشفع لها أسامة بن زيد ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أتشفع في حد من حدود الله؟...وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" إذن الحدود لا تهاون فيها، عندنا في السودان تنتشر السرقة من الوزير إلى الخفير ولايوجد قانون لحد السرقة، أو لايعمل به، لماذا التهاون؟ والنظام الحاكم يقول إنه يحكم بالشريعة الإسلامية؟ أين الشريعة؟
- الشريعة الإسلامية ليست شعارات ترفع؛ وإنما هي مبادئ والتزامات تطبق على أرض الواقع، والتوجيه القرآني واضح في هذا المجال ، قال تعالى: " لَيْسَ البِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ البِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى المَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي البَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ البَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ" فالشريعة بنص القرآن أحكام يلتزم به الحاكم قبل المحكومين وتطبق على المسئول قبل العامة، وأعتقد لو أن المسئولين حققوا القدوة بصدقهم وتقشفهم وعفتهم والتزامهم بالقوانين، لانعكس ذلك على كل مظاهر الحياة العامة كما حدث ذلك في عهد عمربن عبدالعزيز رضي الله عنه الذي غير نمط الحياة الذي كان سائدا في عهد بني أمية، وألحق عهده بعهد الخلافة الراشدة في زمن قياسي مدته ثلاثون شهرا فقط.
إن مكافحة الفساد تكون بتصحيح أساس الملكية، وإعادة جميع الأموال المكتسبة بغير وجه شرعي لخزينة الدولة، وليبدأ المسئولون بأنفسهم ليكونوا قدوة لغيرهم. إن بدعة التحلل التي انتشرت في الآونة الأخيرة؛ ستؤدي إلى تدمير ماتبقى من اقتصاد، فضلا عن سقوط المسئولية؛ فالتحلل في الفقه الإسلامي؛ مرتبط بالحج حيث يتحلل الحاج من إحرامه عند اكتمال مناسك معينة، كذلك يتحلل الإنسان من المال الذي يدخل عليه عن طريق الخطأ، أما المسئول الذي يستغل سلطته للاستيلاء على المال العام أو الخاص؛ فالحكم الشرعي هنا هو مصادرة كل أمواله التي استولى عليها بطريقة غير شرعية وأرباحها، مع إنزال حكم رادع عليه ليكون عبرة لغيره، وعلى المسئولين أن يقرأوا سيرة عمر بن الخطاب الذي صادر نصف ثروة ابنه عندما رأى إبله سمينه! فقال له إنك استفدت من سلطة أبيك؛ حيث يؤثرك الناس فيسمحون لإبلك أن ترعى أولا وأن ترد الماء أولا؛ لأنك ابن أمير المؤمنين، فصادر نصف ثروته وأعادها إلى بيت المال!!!
• ماهو المخرج في رأيك من هذه الحالة الفكرية والسياسية المأزومة في العالم العربي والإسلامي؟
- في تقديري إن الأزمة جذورها فكرية، فالمطلوب تصحيح الانحراف الفكري بترسيخ منهج الوسطية، فالوسطية تعني السماحة والإعتدال ، وترك المغالاة في الدِّين والتكلُّف فيه، إنّ الوسطية منهج يُمَكِّن المسلم من فهم الأمور فهماً صحيحاً، ومن ثم يتعامل معها بوعي، ففي مجال العقيدة يُحقق وَحْدانية الخالق، وفي مجال العبادة يُراعي مَقاصدها الاجتماعية، ويدرك أنّ أساس الأخلاق؛ هو: أنْ تُعامل الناس كما تُحب أن يُعاملوك، ومنهج الوسطية يجعل المرء ينظر إلى الأمور بتوازُن ووعْي وتكامل . وإصلاح سياسي يعيد شرعية السلطة للأمة، وإصلاح إقتصادي يصحح أساس الملكية ويحقق التنمية المتوازنة، واصلاح اجتماعي يكفل كرامة الإنسان، ويراعي الشرائح المستضعفة، واصلاح دبلوماسي يقيم العلاقات الدولية على أساس الاحترام المتبادل، والمصالح المشتركة، ويبتعد عن المحاور المتصارعة.