قراءة القرآن في رمضان بين الواقع والمأمول

ما إن يحلَّ شهرُ رمضان إلا ويَهرعُ المسلمونَ إلى مصاحِفهم؛ ينفضونَ عنها غبارَ الهجرانِ والغفلة - التي صارت ميزة أهل هذا الزمان - مقبلين على كتاب الله الحميد تالين لآياته، متبركين بقراءته. ففي رمضان تزدحم المساجد بالنّاس في مختلف الأوقات وهم يمسكون المصاحف بين أيديهم، في مشهد نادر بأغلب أقطار العالم الإسلامي، مشهد لا يراه المؤمن - بتلك الصّورة - إلاّ في هذا الشهر الفضيل. أمّا في المنازل فترى أهل البيت غالبا جالسين مع بعضهم البعض في مكان واحد، وكل واحد يقرأ من كتاب الله العزيز، وعينه على سورة الناس ودعاء الختم، ولا يتأخر العمّال والموظفون عن هذا المشهد، فيجهزون مكاتبهم وحقائبهم الصغيرة بمصاحف جيب صغيرة؛ حتّى يسهل عليهم نقله والقراءة منه، ويعمد التاجر في محله إلى قراءة القرآن كلما خل دكانه من العملاء، فإن جاءه أحد وضع ورقة عند موضع الآية التي انتهى إليها وأغلقه، فيقدم للزبون حاجته، ثم يعود لمصحفه. هذا هو الجو العام للمسلمين مع القرآن في شهر رمضان، ويظلّ السؤال المحوري الذي يدور بين الصائمين من بداية الشهر الفضيل إلى آخر ليلة فيه سؤالا ً ثانويا: كم جزءً قرأت؟ وأين  وصلت في قراءتك؟ وكم ختمة ختمت؟ فماهي حقيقة هذا المشهد الجميل؟ وهل هو كاف لعودة المسلمين إلى ربهم؟ ولماذا لا يتكرر هذا المشهد في غير شهر رمضان؟ قراءة القرآن في واقعنا إنَّ لشهرَ رمضان عند المسلمين مكانة خاصة، وقدسية معروفة؛ فهو صفوة المواسم، والمفضّل عن باقي الشهور بمضاعفة الأجور، وزادت منزلته في النفوس بما اختص به من نزول القرآن الكريم في أيامه المباركة؛ لذلك تجد أبرز عبادة يلتف حولها المسلمون بعد الصيام هي قراءة القرآن، وهذا أمر يبعث في النفس البهجة والسرور، خاصّة أنه مشهد يبعث الآمال حول إمكانية عودة الأمّة لدينها ودورها الريادي إن اجتمعت لها الظروف المناسبة، لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل علينا الاكتفاء بقراءة القرآن في هذا الشهر الفضيل، وفق محور اهتمامات ثانوية لا تتعدى البحث عن أكبر عدد من الختمات؟ وهل نستمر في النظر إلى هذا الإقبال الهائل على قراءة القرآن نظرة عاطفية؟ لاشك أنّ الجواب على ذلك هو: النّفي، لأنَّ من أبرز مقاصد القرآن الكريم :  تغيير الحياة البشرية نحو الأفضل والأقوم، وتوجيه النَّاس نحو ما يحقق سعادتهم واستقرارهم، وليس مجرد القراءة من كتاب الله المقدس، في شهر معظّم؛ ما يستوجب علينا التوقف مع طريقة قرآءة النّاس - بل حتى المثقفين والمتعلمين منهم - للقرآن وختمه في شهر رمضان وقفة توجيهية. حيث يلحظ الراصد لكيفية قراءة المسلمين - اليوم – للقرآن الكريم الملحوظة الآتية: أنّها قراءةٌ جافةُ تخلو من التدبر؛ الذي حض عليه القرآن كوسيلة للوصول إلى الآفاق العليا لمعاني الآيات، ولا يقف القرآن الكريم عند مسألة الحثّ على التدبر للوصول بالنفس لأسمى معاني الكتاب؛ فالمقصد الأكبر للتدبر والذي يجب أن يكون راسخا لدى القارئ يتمثل في: الوصول بالمسلم إلى التغيّر الذاتي، والمساهمة في التغيير الاجتماعي، والاصطلاح مع الله تعالى، ومع النفس، ومع كل دوائر الحياة، فهل المطلوب منّا لتحقيق هذه الغايات أن نتلبسَ تلك القراءة السريعة المتسرعة - التي لا تتلاءم مع مقام كلام الله تعالى - لتحقيق هذه الأهداف؟ هل نحن مقتنعون فعلا أنّ تلك القراءةَ السريعةَ جداً سوف تُؤَثرُ في قلوبنا؟ هل حقا أنّ تلك الختمات التي أسرعنا في ختمها أيّما إسراع سوف تؤثر في حياتنا وتغيرنا نحو الأفضل والأجمل والأكمل؟ إنّ هذه الأسئلة المحورية تستحق أن يقف عندها المسلم وقفة مصارحةـ؛ تعيده إلى جادة الصواب في التعامل مع كتاب الله المبين. فهل نفعل؟ هل نستفيد من قراءة القرآن في رمضان؟ إنَّ أبسط ما يمكنُ قوله عن ذلك الأسلوب السريع في قراءة القرآن الكريم، أنّه أسلوبٌ ضعيف جداً؛ لا يُمكّن المسلم من اكتشاف أسرارَ القرآن الكريم، ولا يمكن أن يتجلّى من خلاله إعجاز المعجزة الخالدة لمن همّه إنهاء الورد المضبوط في ذهنه كمّاً لا كيفاً، إنَّ تلك القراءة لا يمكن أن تكشف للقارئ الحلول الربانية للمشكلات الحياتية المختلفة، إنَّ تلك القراءة لا يمكن أن تفتح لنا تلك الصفحات العجيبة والملهمة من تاريخ الأمم السابقة البائدة، إنّ تلك القراءة لا يمكن أن توصلنا إلى الإمساك بالتصورات الصحيحة لمعاني الحياة، إنَّ تلك القراءة لا يمكن أن تنمي رغبتنا في الجنان المصورة في كتاب الله العزيز، وإن تلك القراءة لا يمكن أن توقظ رهبتنا من نيران الجحيم فنهرب منها بإصلاح أنفسنا.   حقّ تلاوته إنَّ الصيغة الأفضل  في قراءة القرآن هي التّلاوة، التي تتجسدُ في أولئك الذين يحققون مراد الله تعالى، ويحق فيهم قوله سبحانه وتعالى:" الذين يتلونه حقّ تلاوته" إنَّ كلمة "حقَّ تلاوته" تستحق وقفة قوية وعميقة، فالأصل في المسلم أخذ الكتاب والمعاني بقوة مصداقا لقوله تعالى: " خذ الكتاب بقوة "؛ ولذلك كانت هذه الكلمات تنبيها على وجوب ترك الأسلوب الجاف في التعامل مع القرآن؛ لأنّه أسلوب يورث الغفلة عن أسراره وحقيقة ما بين دفتيه، ولا يورث تأثرا موصلا للتغيّر. في حدائق القرآن والظنُّ كل الظنِّ أنَّ تلاوةَ ختمة واحدة حقّ التّلاوة؛ تجعلُ المسلمَ يعيش القرآن كما عاشه السّابقون من أمّة الإسلام، وتجعله يعرف قيمة المعجزة الخّالدة التي بين يديه، وما فيها من أسرار وحِكَم وأحكام، وتلاوةٌ واحدةٌ استوفت حقيقة التّلاوة أفضل من عشر قراءات  - هذرمة - سريعة متسرعة؛ لا تحرك قلبا ولا تسمو بروح، ولا تنقل المسلم من عالم الأشياء إلى عالم الأفكار والقيم، والمُثُل القرآنية الخالدة. فهل نحن ممن يتلون القرآن حقّ تلاوته؟ أم ممن إذا رأيتهم ظننتَ أنَّهم في سباق قراءة، أهمُّ ما فيه السرعة لا غير؟ قول وسط وإن كان الإنسان مطالبا باستغلال مضاعفة أجر العبادات في رمضان، فإنّ هذا لا يعني إهمال المقاصد الكبرى لهذه العبادات ومنها عبادة التلاوة؛ ومن أجل الجمع بين الأمرين، فإنّه لا غنى للمسلم أن يجعل له ختمة رصينة يتدبر فيها القرآن ويتجول في حدائقه وبساتينه، ويعرج على تاريخ الأمم مستفيدا معتبرا، وإن كانت للمسلم فرصة لتدارس القرآن مع أحد من أهله أو أحبته فإنّ هذا مما يعين على الفهم والارتقاء إلى آفاق القرآن. رمضان بين الأسئلة المحورية والأسئلة الثانوية إنّ الإنسان هو الإنسان، وإنّ القرآن هو القرآن، فلماذا تأثر إنسان القرون الثلاثة الأولى بالقرآن، ولم يتأثر به إنسان العصور الأخيرة بنفس الطريقة؟ أين مجتمع اليوم من الفعالية التي أنتجها القرآن في المجتمع الإسلامي الأول؟ كيف نجح المجتمع المسلم في العهد النّبوي، وعهد الخلفاء، ومن بعدهم في تكوين شخصية مسلمة رائدة في جلّ المجالات من خلال القرآن، بينما قصرت هممنا عن ذلك؟ إنّها أسئلة تستحق أن يقف عندها الجميع؛ لأنّها كفيلة بتكوين ذلك التوتر النّفسي الدافع نحو الرجوع إلى كتاب ربنا رجوعا يرضيه، ففي هذا الكتاب المقدس - الذي أهملناه لصالح دساتير بشرية قاصرة، لم نرث منها إلا التخلف والهوان - أسرار النجاة الحضارية والايمانية. وإنّ أيسر طريق للاستفادة من القرآن في بناء الذات وإصلاح المجتمع المسلم أن نصحح أسلوب تعاملنا معه، ونرتقي من مستوى القراءة الميتة إلى مستوى التدبر الواعي، الموصل للتأثر والتأثير، ولو تحقق ذلك ولو على مستوى الفئة المثقفة والنخبة فإنّ هذا بشارة خير عظيمة، على أنّ المستقبل سيكون أكثر إشراقا وصلاحا.

إضافة تعليق جديد

HTML مقيَّد

  • You can align images (data-align="center"), but also videos, blockquotes, and so on.
  • You can caption images (data-caption="Text"), but also videos, blockquotes, and so on.