قدم الاستاذ عبدالمحمود أبو "رئيس المنتدى العالمي للوسطية في السودان وأمين عام هيئة شؤون الأنصار للدعوة والإرشاد" في محاضرة "مفهوم الوسطية" التي عقدها مركز الخرطوم الدولي لحقوق الانسان يوم 22/8/2015 ورقة عمل بعنوان "منهج الوسطية .. بين الغلو والاستلاب" وفيما يلي نص الورقة التي طرحت:
المقدمة:
الدعوة الإسلامية منذ أن انطلقت في مكة المكرمة واجهت تحديات كثيرة من المجتمع الجاهلي؛ تمثلت في الصدود، والإنكار، والتشكيك، والمواجهة، ومحاولة الاستئصال؛ ولكن الدعوة كانت تحمل عناصر القوة في داخلها، فتمكنت من الصمود في وجه الابتلاءات، وحققت انتصارات تلو انتصارات على النظام الجاهلي؛ فثبتت أقدامها، وأبطلت مفعول أدوات الخصم حتى ضاق بها ذرعاً وقرر القضاء عليها؛ فانتقلت إلى المدينة المنورة . وفي المدينة واجهت الدعوة تحديات من نوع مختلف؛ تتعلق ببناء النظام الجديد على أسس ومفاهيم غريبة على النظام القبلي؛ الذي كانت تسيطر عليه قبيلتا الأوس والخزرج وحلفاؤهما من اليهود, فكانت التحديات تتمثل في : بناء المجتمع على مفاهيم الدين الجديد، وتجاوز الصراع الأوسي الخزرجى , ومواجهة التيار السلولي ؛ - نسبة إلى عبد الله بن أبي بن سلول- والتصدي للمكر اليهودي , فضلاً عن الاستعداد للمواجهة المحتملة مع أهل مكة؛ الذين لن يسكتوا على اللطمة التي وجهها لهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى المدينة وإفشال مخططهم الذي اتفقوا عليه في دار الندوة .
وعلى طول المسيرة التاريخية تعرضت أمة الإسلام لتحديات كثيرة، داخلية وخارجية؛ استطاعت أن تواجهها وتخرج منها منتصرة بالرغم من الخسائر التي تعرضت لها , وأخطر تلك التحديات؛ تمثلت في الخلاف الذي فرق الأمة إلى فرق وجماعات؛ جرت بينها حروب أزهقت فيها آلاف الأرواح , ثم الاستعمار الخارجي، وغير ذلك من التحديات التي لا تزال آثارها تنهش في جسد الأمة الممتلئ بالقروح والأمراض .
إن أمتنا اليوم تمر بمنعطف تاريخي خطير؛ حيث تكالبت عليها الأمم من كل الأرجاء للقضاء عليها، وأنهكتها الحروب الداخلية، والخلافات الطائفية والمذهبية , وعطلت نهضتها النظم الشمولية، والصراعات السياسية , واختطف شعارها المتطرفون فشوهوا صورة الإسلام وشاركهم في جرمهم الطغاة والغزاة .
المسلمون يشكلون خُمْس سكان العالم تقريباً , ويتوزعون في كل القارات , والعالم الإسلامي يوجد جغرافياً في قلب المعمورة وله صلاة جغرافية بمعظم قارات الدنيا , بل يسيطر على أهم الطرق والممرات الدولية , ومعظم الطاقة البترولية في العالم الإسلامي, فأمة الإسلام من حيث العدد، والموارد، والموقع الاستراتيجي، والرباط الروحي؛ أمة متفردة لا تضاهيها أمة أخرى . ولكن مع هذه الميزات البارزة تعاني من معيقات مُعَطِّلة. إن أمتنا مطالبة بمراجعة مسيرتها، وتشخيص أمراضها، وتحديد الدواء، حتى تنهض من جديد لمواصلة مسيرتها القاصدة بإذن الله .
إن الرأي العام في بلداننا؛ يتطلع لقادة الفكر والرأي أن يقوموا بتشخيص الأوضاع، ويقدموا الحلول التي يمكن أن تنتشل الأمة من هذا الواقع المرير, ويُبَيِّنوا الوسائل التي تؤدي إلى استنهاضها، وبعث الأمل فيها.إن ورقتي تشتمل على مقدمة وثلاثة محاور وخاتمة , وهي مساهمة متواضعة أرجو أن أوفق لتقديم مايفيد.
المحور الأول : الفكر الداعشي ومغذياته:
تنظيم الدولة الإسلامية، والذي يعرف اختصارا بعبارة داعش؛ هو في الظاهر يبدو كأنه امتداد لفكر الغلو والتطرف؛ الذي ظهر في الساحة الإسلامية في وقت مبكر في نهاية عصر الخلافة الراشدة، ونمى في العهد الأموي ثم تراجع وعاد في شكل حركات متقطعة في كافة العصور التي مرت بها أمة الإسلام؛ ولكن بالتمحيص والتدقيق يتبين أن هذا الفكر الداعشي يختلف عن فكر الخوارج. فالخوارج تمردوا على الخلافة بتأويل خاطئ، ووجهوا سلاحهم ضد الدولة، والدواعش زعموا أنهم أقاموا دولة الخلافة وطالبوا المسلمين بمبايعتهم، وسلاحهم في الغالب موجه ضد مخالفيهم في الرأي وضد الأبرياء المدنيين، والخوارج أمنوا أهل الذمة وحرموا قتلهم، ولكن الدواعش قتلوا المستأمنين وخفروا ذمتهم، والخوارج اعتمدوا على القرآن دون الأحاديث في الغالب، والدواعش اعتمدوا على الأحاديث وأولوها تأويلا خاطئا؛ والخوارج كان يقودهم علماء أهل ورع! والدواعش يقودهم أشخاص قليلوا الفقه؛ وهكذا فالفكر الخارجي اعتمد على تأويل خاطئ ولذلك عندما حاورهم ابن عباس وعدد من العلماء تراجعوا واتبعوا الحق.
إن الفكر الداعشي يستند أساسا على المفهوم السلفي للإسلام، والمفهوم السلفي يختلف عن المنهج السلفي، فالمفهوم السلفي يحاول أن يفهم الحاضر بفهم السلف، ويسعى لإسقاط اجتهادات السلف على الواقع، بل يعمل من أجل استعادة الخلافة شكلا لامضمونا! بينما المنهج السلفي يعتمد على الالتزام بقطعيات الشرع مع مراعاة المقاصد، ويجتهد لمواجهة المستجدات بما يلائمها، والدواعش الحاليون لم يتخرجوا من معاهد علوم شرعية، ولم يدرسوا في جامعات إسلامية، وحظهم من العلوم الشرعية لايتعدى بضعة أحاديث وبعض سور القرآن الكريم؛ ومعظمهم درس في مدارس مدنية، وتلقى معلوماته الشرعية عن طريق وسائط التواصل الاجتماعي، وهم بارعون في استخدام التقنية الحديثة.
إن رصد الفكر الداعشي ومواقفه وسلوكه يبين أن الباعث لهذه الظاهرة يتمثل في عدة عوامل فكرية واجتماعية وثقافية وسياسية ونفسية؛ وهي متراكمة في الساحة الإسلامية منذ أمد بعيد تبلورت في الآتي:
أولاً : التقسيم القطري : فمنذ سقوط السلطنة العثمانية؛ وريثة الخلافة في تركيا عام 1924م؛ فقدت الأمة الرباط السياسي، وتقسمت إلى دويلات قطرية صغيرة منغلقة على نفسها، وحلت المواطنة محل الرباط الديني, وفي معظم الأحيان توجد مشاكل بين الدولة وجاراتها من الدول التي تنتمي إلى نفس الدين؛ بل دخلت كثير من الأقطار الإسلامية في حروب ضد بعضها بعضا استعانت فيها بالأجنبي على جارتها المسلمة! فاتسعت شقة الخلاف، وصار الغريب أقرب من الجار الشقيق! الذي تجمعه مع جاره ديانة واحدة، وثقافة واحدة، وتاريخ مشترك؛ هذا العامل وسع الشقة بين المسلمين وضيق فرص الوحدة بينهم.
ثانياً : التفاوت الاقتصادي : بعض الدول الإسلامية تصنف من الدول الغنية، وبعضها متوسطة الحال، وأخرى تعيش تحت خط الفقر, فالفوارق الاقتصادية أفرزت فوارق اجتماعية ونفسية قتلت الشعور بالوحدة عند كثير من المسلمين, مع أن الدعوة الإسلامية في الأصل جاءت لتصحيح العقيدة، وللتقسيم العادل للثروة , وشنّت حملة كبيرة على المُحتكرين، والمُرابين، وأصحاب الكنوز، والمانعين الماعون، والممتنعين من الحض على طعام المسكين . هذا التفاوت لم يقتصر على الدول، بل انسحب حتى على المواطنين في الدولة الواحدة، فبعضهم يموتون من التُّخمة، وآخرون يموتون من الجوع! وصدق إمام المتقين علي عليه السلام عندما قال : " ما جاع فقير إلا بتخمة غني " ..
ثالثاً : الصراع السياسي : لا تكاد دولة إسلامية تخلو من صراع على السلطة , والصراع والتدافع جبلة بشرية ولكن طبيعة الصراع السياسي في البلدان الإسلامية صراع خشن؛ إلا من رحم الله، فالدول الغربية مثلاً حلت هذا الإشكال، واهتدت إلى التداول السلمي للسلطة؛ فوفّرت كثيراً من الطاقات والإمكانات والأرواح المهدرة في الصراع من أجل السلطة، ووظفتها لصالح نهضة شعوبها, ولكن عالمنا الإسلامي في الغالب يخلو من الحاكم السابق الحر الطليق! فهو إما في السجن، وإما في المنفى، وإما في القبر, وطبيعة الصراع السياسي عندنا تخلو من التسامح! فالحكومة لا ترى في المعارضة إلا متآمرة وخائنة ومخربة! والمعارضة لا ترى في الحكومة إلا الوجه القبيح المُتَمثل في البطش والتنكيل والفساد ...الخ
رابعاً : الخلاف: أصبح الخلاف سمة غالبة عند المسلمين! فهناك خلاف طائفي، وهناك خلاف سياسي، وهناك خلاف فكري، وهنالك خلافات مذهبية , والخلاف سنة إلهية، وضرورة اجتماعية، وواقع كوني؛ ولكن طبيعة الخلاف؛ هي التي تفرق بين الخلاف المذموم، والاختلاف المحمود , إن الواقع الإسلامي يبين أن معظم الخلافات مذمومة؛ لأن كل صاحب مذهب أوطائفة أو فكر؛ لا يقبل بالآخر، ويسعى لاستئصاله , بل انتشرت ظاهرة التكفير التي أصبحت سمة غالبة لغلاة العصر الحديث , فالخلافات داخل الأمة واحدة من عوامل التراجع والاحباط..
خامساً : الأطماع الخارجية : تلك العوامل أظهرت الأمة بمظهر الضعف , فقد عجزت أن تحرر القدس أولى القبلتين والحرم الثالث في الإسلام , وهذا الضعف أطمع العدو؛ فصار ينفذ سياساته في بلاد المسلمين عبر بلدان وشخصيات مسلمة , وصارت ديار المسلمين ساحة للحروب الدولية بالأصالة أوبالوكالة , وفقدت الأمة شخصيتها الاعتبارية، وصار الغرب مبهراً لكثير من الشباب المسلم؛ لأنه يجد عنده ما يفتقده في بلده! كالتنمية، والحرية، واحترام حقوق الإنسان ..الخ فهاجر كثير من أبناء المسلمين للغرب طلباً للرزق، أو فراراً من البطش، أو تلبية لحاجة نفسية .
تلك العوامل ولدت الإحباط عند كثير من المسلمين، وساهمت في تشكيل العقل الرافض للواقع عند كثير من الشباب، فأصبح مهيئا للدخول في أي تنظيم يجد فيه تنفيسا لإحباطاته وتفريغا للمشاعر المضطربة في داخله؛ فالمظالم المشار إليها أصبحت بيئة صالحة لولادة التطرف , واستغل المتطرفون هذا الواقع، فاندفعوا ينشدون التغيير،واستقطبوا الشباب ودفعوا بهم في حروب سميت جهادا زورا وبهتانا.
إن ظاهرة داعش وأخواتها صنيعة شارك في بروزها تحالف آثم بين الاستبداد، والتطرف السلفي، وتيارالمحافظين الجدد في أمريكا , هذا التحالف هو المسئول عن الكارثة التي تمر بها أمتنا في الوقت الراهن .
المحور الثاني : المشاكل التي تواجه الفكرالاسلامي :
الفكرالاسلامي؛ هو نشاط عقلي يقوم به العلماء والمفكرون؛ لبلورة رؤية إسلامية تعالج الأزمات، وتتصدي للتحديات التي تواجه الأمة ، فهو اجتهاد بشري يستند علي أصول إسلامية، ولا يدعي قدسية النصوص والثوابت ، والفكر يتطور حسب تطور الأحداث والقضايا التي يتصدي لمعالجتها، إن الفكر الإسلامي يعاني اليوم من مشاكل كثيرة تعيق تطوره أذكر منها الآتي:
أولا:الجانب المعرفي :
تميز الإنسان على المخلوقات الأخرى بالعقل، والإرادة، والحرية، وبالمعرفة الواسعة التي خصّه الله بها قال تعالى : ﴿ وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴿31﴾ قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴿32﴾ قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بأسمائهم فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بأسمائهم قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ﴾ [البقرة :31-33] إن معجزة الرسول الخاتم تتمثل في القرآن الكريم الذي نزلت آياته الأولى مبينة قيمة العلم والمعرفة قال تعالى: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴿1﴾ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ ﴿2﴾ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ﴿3﴾ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ﴿4﴾ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ [العلق:1-5] والحضارة الإسلامية تاريخياً؛ قامت على صرح علمي متكامل؛ شمل كل جوانب الحياة، وتوفر في ظلها المناخ الذي ساعدعلي تفجير الطاقات الإنسانية؛ فاكتُشِفت العلوم، وتَوَسَّعت المعارف، ووضعت المناهج العلمية التي اهتدى بها اللاحقون, غير أنّ هذا العطاء تراجع لعدة عوامل؛ أهمها : أن المناهج السائدة في عالمنا الإسلامي؛ لا تساعد على الإبداع، والابتكار، والتجديد؛ فهل من سبيل لإيجاد منهج يتعامل مع القرآن والسنة بأسلوب الاستنطاق؛ كما سمّاه الشهيد الإمام محمد باقر الصدر, منهج يؤسس لمنظومة معرفية، تنطلق من الكتاب المقروء ( القرآن الكريم ) والكتاب المنظور( الكون ) منهج يغرس في المسلم ملكة النقد والمقارنة والاستنتاج العقلي , منهج يواكب حركة التطور التي حدثت في الكون؛ بسبب ثورة الاتصالات والمواصلات وضخ المعلومات بصورة لم يسبق لها مثيل! فالمعرفة مصادرها أربعة: الوحي، والإلهام، والعقل، والتجربة؛ ولكن الواقع الماثل يفيد أن المصادر قداختزلت، فتكونت عقلية قاصرة عجزت عن تقديم حلول ناجعة لأمراض أمتنا. إن أول إشكال يعاني منه الفكرالاسلامي هو التحدي المعرفي ..
ثانيا: تناقض الخطاب:
إن أهم إشكال يواجه الفكر الإسلامي؛ هو تناقض الخطاب عند دعاة الإسلام! فكثير من المسلمين وغير المسلمين يستغربون من تناقضات خطابات العاملين في مجال الدعوة الإسلامية، والمتحمسين لها من العلماء، والمفكرين، وخطباء المساجد، وغيرهم من النشطـاء في هذا المجـال! وهذا الاستغراب مرجعه التعارض بين المفاهيم والمواقف؛ التي تصدر عن هؤلاء المعنيين مع أنها مدعومة بالنصوص والأدلة , بل أكثر من ذلك نجد أن هذا التناقض أدى إلى إضعاف الالتزام بالإسلام عند كثير من المسلمين؛ من حيث العقيدة، واتباع الأحكام، وثبات المواقف؛ مما نتج عنه زعزعة واضطراباً في الحالة الإسلامية بصفة عامة , فصار الدعاة عاجزين عن الإقناع؛ لأنهم عندما يطرحون أي مبدأ أو فكرة مقنعة؛ يواجهون بالنقيض الذي يطرحه داعية آخر ! ومن الناحية الأخرى فإن غير المسلمين؛ قللوا من احترامهم للمسلمين؛ بسبب هذا السلوك الذي يبدر منهم, واقتنعوا أنهم على حق! لأنهم ينظرون إلى المسلمين من خلال الممارسة والواقع فيقولون لو كان دين هؤلاء صحيحا لما كانوا على هذه الحال ! والذين أنصفوا المسلمين فإن إنصافهم يأتي من اطلاعهم على الإسلام من مصادره الأصيلة، ومن تاريخه الناصع، فأقنعتهم الحقائق والوقائع بحقيقة هذا الدين وقليل ماهم , إن التناقض في الخطاب الإسلامي بين العاملين في مجال الدعوة يرجع لعدة عوامل أهمها :
العامل الأول : غياب مرجعية دينية مجمع عليها لتكون لها الكلمة الأخيرة في حسم الخلاف, فلقد غابت هذه المرجعية بوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم , وقد يقول قائل إن المرجعية موجودة هي: الكتاب والسنة ,هذا صحيح من حيث مصدرية الأحكام, ولكننا مع ذلك نرى الخلاف قائما بوجود الكتاب والسنة؛ لأن منهج التعامل معهما يختلف من عصر إلى عصر، ومن شخص إلى آخر, فغياب المرجعية البشرية المجمع عليهـا عامل من عوامل التناقض المعـاش .
العامل الثاني : المنهج التعليمي المتبع في كافة المؤسسات الدينية؛ غيب حقيقة الدين الإسلامي عن كثير من المسلمين, وأهمل روح الاسلام بتركيزه على الفروع والشكليات، لقد اعتمد المنهج على التحفيظ والرواية؛ مهملا الأسلوب النبوى القائم على التربية، وغرس المبادئ والمفاهيم؛ عن طريق الحوار؛ بصورة تمكن المُتَلقى من التفاعل معها وتطبيقها, كما افتقر إلى وسائل غرس نهج التفكير، والمقارنة في أذهان المسلمين , ولذلك فإن الدين الخاتم لم يتم استيعابه كرسالة عالمية خالدة تخاطب كل بني البشر باختلاف ثقافاتهم وعاداتهم وعصورهم؛ بل نهج كثير من الدعاة يقدم الإسلام كأنه ديانة قومية محلية متقوقعة في بادية العرب في عصر الجاهلية .
العامل الثالث : تحكم النظم السياسية المستبدة؛ إن توقف منهج الخلافة الراشدة في الحكم، ووقوع الأقطار الإسلامية تحت نظم الإستبداد؛ أدى إلى شلّ حركة الفكر الإسلامي، وغيّب تلاقح الأفكار والآراء؛ الذي يمثل أهم عوامل الإبداع والتطور، لما يتيحه من تعدد الخيارات التي تمكن المتلقي من الاختيار بين البدائل , فالنظم المستبدة لا تعرف إلا رأياً واحداً هو رأي الحاكم بأمره! ومن خالفه فمصيره واحد من اثنين : إما السجن وإما القبر !.
العامل الرابع : اختلاف البيئات والأزمنة والأمكنة له أثر كبير على الفكر، وبالتالي فإن الفهم للدين يتعارض من شخص لآخر لأنه ليس بالضرورة أن تكون وسائل الاستنباط، وترتيب الأولويات محل اتفاق من الجميع في ظل وجود المؤثرات والخلفيات المتعارضة .
العامل الخامس : تعامل الآخر الملي مع الإسلام والمسلمين؛ خلق رد فعل غاضب لدى المسلمين، فاختلفت أساليبهم في التعامل مع هذا الآخر، ما بين الرفض والتواصل , فمنذ أن جاء الإسلام وجد صدوداً وكيداً من المشركين، واليهود، وبعض النصارى؛ واستمر هذا النهج حتى عصرنا الحاضر مما جعل كثيراً من المسلمين يرفضون أي تسامح مع الآخر، ويدعون لإخضاعه بالقوة أو استئصاله , بينما يتبع آخرون منهجاً يتمسك بالأصل، ويدعو إلى معاملة كل تصرف بما يناسبه، فإذا انتفت الأسباب رجعنا للأصل .
هذه العوامل وغيرها أدت إلى بروز مدارس كثيرة داخل الملة الإسلامية يمكن إجمالها في ثلاثة مناهج تتفرع عنها فرق وطوائف ومذاهب؛ تغطي الساحة الإسلامية بامتداداتها الأفقية والرأسية, تلك المناهج هي : منهج الانكفاء ؛ ومنهج التبعية ؛ ومنهج الوسطية . فالمنهج الأول يتبع أسلوبا لا يميز بين الثوابت والمتغيرات؛ ويقدس التاريخ بكل مراحله, ويرفض التواصل مع الآخر، ولديه أفكار معلبة يسعى لإسقاطها على الواقع دون التفات إلى العلل والمتغيرات الزمانية والمكانية والظروف البيئية. أما المنهج الثاني فنقيض المنهج الأول ينتمي إلى الإسلام اسماً، ولكنه في الواقع مستلب أمام الآخر، ومنبهر به؛ فيسعى إلى تقليده في كل شئ ، ويدعو إلى التحرر من كل ما هو ماض في تاريخنا، بل يتصور أن سبب تخلفنا هو التمسك بالإسلام. والمنهج الثالث يتبع أسلوبا وسطاً يلتزم بالثوابت ويجتهد في المتغيرات، ولا يتحرج من الاقتباس من التجارب الإنسانية النافعة، ولكن وفق ضوابط ومعايير معينة تمنع الانكفاء وتعصم من الذوبان.
ثالثا: المشكل السياسي :
الإسلام جاء ديناً خاتماً للرسالات؛ اشتمل على أصولها، وتميّز عليها بالعموم، وصلاحية التطبيق عبر الزمان والمكان , وقد اهتم الإسلام بكل شئون الحياة الفردية والمجتمعية، وعلى نطاق الدولة وعلاقاتها؛ وكان العهد النبوي وعهد الراشدين يجسد الروح الإسلامية في المجال السياسي , غير أن هذا النهج انقطع بتحول الخلافة الراشدة إلى ملك عضوض , فتعطلت الشورى، وغاب العدل، واضطرب النظام السياسي إلى يومنا هذا, لقد توصل الغرب إلى بلورة فكر سياسي؛ تمخض عنه النظام الديمقراطي، وهو نظام يقوم على المشاركة، والمساءلة، والشفافية، والفصل بين السلطات، والتداول السلمي للسلطة، وسيادة الدستور. إن النظام الديمقراطي؛ يشكل تحدياً كبيراُ لأمتنا؛ التي تحفظ شعارات عن النظام السياسي؛ مثل الخلافة، ونظام الشورى، والمساواة، والعدل، ويحفظون أن الإسلام سبق النظام الدولي الحديث في تطبيق وكفالى حقوق الإنسان؛ غير أن هذا النظام لم يتبلور في شكل نموذج متفق عليه من علماء الأمة وقادتها، ولم يطبق في أرض الواقع المعاصر؛ لينافس النظم السائدة في الساحة العالمية , مما جعل الرأي العام الإسلامي منقسماً فبعضه يؤيد النظام الملكي وبعضه ينادي بالديمقراطية وبعضه يتطلع للخلافة .. وهكذا . والآخرون ينظرون إلينا بسخرية لعجزنا عن تقديم نموذج نقنع به الآخرين بصحة مانقول فالتساؤل الذي يواجهنا في هذا المجال ماهو النظام السياسي الإسلامي الذي يجسد مبادئ الإسلام ومقاصده وتعاليمه لتلتف حوله الأمة وتدعو له ؟.
رابعا:التحدي العلمي:
التطور العلمي بلغ مبلغاً ليس له مثيل في التاريخ المعلوم , وكان للحضارة الإسلامية قصب السبق في اكتشاف العلوم ووضع مناهج البحث العلمي , غير أن هذا النجاح أصبح من التاريخ , واليوم فإن العالم الإسلامي في مؤخرة الأمم في مجال الإنتاج العلمي والتكنولوجي , وإن وجد بعض النشاط العلمي؛ فهو منقول عن الآخرين وليس أصيلاً , لقد تطورت العلوم بصورة مذهلة بعد اكتشاف الذرة والطاقة النووية , ويتحدث العلم الآن عن الجينات، والاستنساخ، ونظرية الكون المتمدد، وغيرها من التطورات الهائلة في مجالات العلوم؛ فماهو حظ المسلمين من كل ذلك ؟ إن التحدي العلمي الذي يواجه أمتنا لا يستهان به فما العمل ؟
خامسا:المشكل الاقتصادي :
النشاط الاقتصادي الآن تجاوز المفاهيم التقليدية، وظهرت مفاهيم الشركات العابرة للقارات، وأسواق الأسهم ،والتجارة عبر الشبكة العنكبوتية ( الانترنت )، وهي مفاهيم تعكس حجم التطور الذي حدث في الاقتصاد العالمي , غير أن العالم الإسلامي أغلبه يصنف ضمن الدول الفقيرة! فكثير من دوله لا تستطيع توفير القوت، ولا المياه النقية لشعوبها , واقتصاديات كثير من الدول الإسلامية مرهونة للنظام الاقتصادي الغربي، وقد لحقها الضرر جراء الانهيار المالي الذي اجتاح الغرب مؤخرا ، ومما يستغرب له أن بلداننا غنية بالموارد الطبيعية كالتربة الصالحة للزراعة، والمياه العذبة، والثروة الحيوانية والغابية، والقوة البشرية؛ ولكنها عاجزة عن استغلالها وتطويرها بسبب سوء الإدارة، والرشوة، والفساد ..الخ وحتى المصارف التي قامت على النظام الإسلامي لم تشكل بديلاً مصرفياً جاذباً؛ بل صار كثير منها أكثر سوءً من البنوك الربوية , لقد كتب كثير من العلماء عن الاقتصاد الإسلامي، والملكية في الشريعة الإسلامية، والنظام النقدي، وغير ذلك؛ لكن يظل الواقع الاقتصادي عاجزاً عن المنافسة! فالتحدي الذي يواجهنا هو كيف نقدم نظرية اقتصادية إسلامية عملية تبلور نظاماً اقتصادياً بديلاً يتناول علم الاقتصاد، ويحدد معالم النظام الاقتصادي الإسلامي