الوسطية والاعتدال: فلسفة حياة وضرورة وجودية

الوسطية والاعتدال: فلسفة حياة وضرورة وجودية                                      

 الدكتور زيد أحمد المحيسن                                                              

في خضمّ هذا الزمان المتسارع، الذي تتزاحم فيه الأصوات وتتشابك فيه المواقف، ويتنازع الناس فيه بين غلوّ مفرط وتسيّب مريب، تبرز الحاجة إلى صوت العقل، وصيغة التوازن، ونهج يتجاوز الانفعالات والاندفاعات، ليؤسس لمجتمع يعيش أفراده بسلام مع أنفسهم ومع غيرهم. ولعلّ نهج الوسطية والاعتدال، بما يحمله من قيم الاتزان والرحمة والعقلانية، هو الردّ الحضاري الأسمى على التحديات التي تحاصر الإنسان المعاصر من كل جانب. فالوسطية ليست موقفًا رماديًّا باهتًا، كما يظنّ البعض، بل هي موقف ناضج، واعٍ، مبني على إدراك عميق لطبيعة الإنسان وتعقيدات الواقع. هي القدرة على أن تمسك العصا من الوسط لا عن ضعف، بل عن قوةٍ في البصيرة، واتساع في الأفق، ومعرفة بأقدار الأمور. وهي ليست مجرد شعار يُرفع في مواجهة التطرّف، بل فلسفة وجودية تعبّر عن رؤية شاملة للكون، والإنسان، والحياة. إن التأصيل لهذا النهج في ثقافتنا ليس وليد اللحظة، بل هو مغروس في جذور حضارتنا العربية الإسلامية؛ فقد جاء الإسلام ليكون دين الفطرة، يوازن بين الروح والجسد، بين الدنيا والآخرة، ويهذب الغرائز دون قمع، ويوجه الطاقات دون قيد، ويقوّم السلوك دون إرهاب. فالوحي الإلهي قد وصف الأمة المسلمة بأنها أمة وسط، لا تميل إلى طرف دون آخر، ولا تجنح إلى التشدد أو التراخي، بل تسلك سبيل العدل في كل شيء. ومن يتتبع سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، يجدها تمثّل التجسيد الحيّ للوسطية العملية، لا في الأقوال فحسب، بل في المعاملات، والحكم، والدعوة، وتدبير شؤون الناس. وإنّ ما نحتاجه اليوم، وسط هذا الضجيج العالمي، هو استعادة هذا المعنى العميق للوسطية، لا بوصفها مجرد موقف فكري، بل كمنهج حياة شامل، ينطلق من ذات متوازنة، وينعكس على علاقاتنا بالآخر، وعلى نظرتنا إلى الخلاف والتنوع والاختلاف، فلا نرى في التعددية تهديدًا، بل فرصة للثراء الإنساني، ولا نعتبر التباين نذير صراع، بل مناسبة للحوار والتكامل. الوسطية ليست انغلاقًا ولا ذوبانًا، بل هي تعايش واعٍ يضع الثوابت في مكانها، ويمنح المتغيرات مساحتها، وهي انفتاح مدروس لا يفرّط في الهوية، واعتزاز بالذات لا يتحول إلى تعالٍ أو عنصرية. هذا النهج هو الأقدر على بناء الإنسان الحر، القادر على الاختيار دون وصاية، والفاعل في مجتمعه دون أن يكون أداة في يد غيره، وهو الذي يمكّننا من مقاربة القضايا المعاصرة ـ من السياسة إلى الاقتصاد، ومن التربية إلى الإعلام ـ برؤية متزنة تعلي من شأن المصلحة العامة وتحترم كرامة الفرد، وتوازن بين الحقوق والواجبات. العالم اليوم لا يعاني من نقص في الموارد، ولا من فقر في التكنولوجيا، بل من أزمة أخلاقية ومعنوية تجعل من الفكر المتطرف سلاحًا فتاكًا، وتمنح العنف شرعية مزعومة. ومن هنا، فإن استعادة نهج الوسطية والاعتدال هو مشروع نهضة لا يقل أهمية عن أي مشروع تنموي، بل هو الشرط الأول لنجاح تلك المشاريع، لأنه يؤسس لبيئة آمنة، مستقرة، قائمة على الثقة، والحوار، والانفتاح الواعي. إننا إذا أردنا لأمتنا أن تستعيد دورها الحضاري، فعلينا أن نستحضر هذا الميراث العميق، لا بوصفه ترفًا فكريًا، بل كخريطة طريق للنجاة في عالم تزداد فيه الاستقطابات، وتتراجع فيه القيم. فالوسطية ليست خيارًا ثانويًا، بل هي فريضة الوقت، وهي مفتاح النجاة، لمن أراد أن يعيش متزنًا في داخله، متصالحًا مع محيطه، مؤثرًا في واقعه

إضافة تعليق جديد

HTML مقيَّد

  • You can align images (data-align="center"), but also videos, blockquotes, and so on.
  • You can caption images (data-caption="Text"), but also videos, blockquotes, and so on.