في ذكرى الإسراء والمعراج:
من الإسراء إلى الطوfان.
بقلم: أبوجرة سلطاني
كُتبت آلاف المقالات، ونشرت مئات الدراسات حول معجزة الإسراء والمعراج، وألفت كتب كثيرة ترصد تفاصيل ما حدث وتقتفي آثار الرحلة من لحظة انطلاقها من بيت المصطفى صلى الله عليه وسلم (في مكة المكرمة) إلى سدرة المنتهى (في السماء السابعة) وبلوغ جنة المأوى؛ وهو المقام الذي شرف الله به واحدا من خلقه فحسب ، دون سائر خلقه من الإنس والجنّ والملائكة.. كما جاء في الدارمي والطبراني، وفي الشفاء للقاضي عياض: 1 - 102، في تفسير قوله تعالى: " ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ (8) فَكَانَ قَابَ قَوۡسَيۡنِ أَوۡ أَدۡنَىٰ (9) " النجم: 8/9. حتى كاد جبريل عليه السلام أن يلتصق بمحمد صلى الله عليه وسلم ولم يبق بينهما سوى ذراع أو أدنى من ذلك.
فما رآى جبريل عليه السلام ربه جل جلاله قط . ولا أحد من خلق الله رآه جل جلاله. فما بين جلاله وبين خلقه سبعون حجابا من نور.
وأغلب الروايات التي تتحدث عن غير هذا من وضع (الحكواتية). ومنها زعمهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل جبريل عليه السلام في السماء السابعة، وقد رآه يتخلى عنه: " أفي مثل هذا المقام يترك الحبيب حبيبه؟". فأجابه: " أما أنت إذا تقدمت اخترقت. وأما أنا فإذا تقدمت احترقت". فرواية عارية عن الصحة، ولا سند لها في أي مرجع معتمد سوى ما وضعه القصاصون وما ابتدعته بعض الفرق كذبا على الله ورسوله.
وهذه الأحاجي ليست هي جوهر ما في رحلة الإسراء والمعراج من دروس وعبر؛ وليس من مقاصد هذه الرحلة الوقوف طويلا أمام غرابة المشاهد التي رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل سماء، ولا في السؤال عن سرّ صلاته بالرسل ، ولا في نعمة سلامه عليهم في كل سماء ، ولا في معجزة بلوغه سدرة المنتهى.. ولا حتى في معجزة طي الزمن الحسي في ليلة واحدة (بل في حوالي عشر ساعات) يستحيل أن تجري فيها أحداث ضخام لا يستوعبها العقل ولا يسلم بها المنطق إلا بإسنادها إلى خالق المكان ومجري الزمان الذي يقول للسموات والأرض كن فتكون كما أراد دون فلسفة ولا منطق ولا جدال.
في هذه الظروف العصيبة التي تمر بها أمتنا أرى أن الجوهر في رحلة الإسراء والمعراج ثلاثة دروس لا يليق بأمة الإسلام الذهول عنها بالخوض في أحاديث مترفة عن البيت الذي كان فيه ليلة أسري به؟؟ وعن صفة البوراق..!! وعن المسافة بين مكة وبين بيت المقدس؟؟ وعن الحكمة من وجود النبي الفلاني في السماء الأولى ..!! بينما الرسول الفلاني في السماء السابعة..!! وعن المشاهد المرعبة التي رآها في كل سماء.. الخ. مع أن كل هذا مفيد.
لكن الدروس الثلاثة التي ينبغي على "أمة الطوfان" اليوم حفظها وفقهها وتفعيلها في واقع حياتهم هي الأجوبة الحضارية عن ثلاثة أسئلة هي واجب وقت:
١- لماذا كانت هذه الرحلة؟
٢- لماذا كانت محطتها الأولى في بيت المقدس؟
٣- ما دلالة تكذيب كل من سمعها. أو تشكيكه فيها، عدا أبا بكر؟
إليك الأجوبة المقاصدية عن هذه الأسئلة لتدرك أن الأمة التي فرض الله صلاتها في السماء لا تنتصر، في أي معركة من معاركها الكثيرة، إلا إذا ربطت نيات خوضها بالسماء. أما معايير الأرض فمكملات غذائية لا تسمنها من هزال علمي ولا تغنيها من جوع حضاري.
أما لماذا كانت هذه الرحلة: فللتذكير بأن لهذا الكون إلهًا إذا تقطعت بالأمة الأسباب أمر كونه بالحركة خارج الأسباب.
وهكذا كان حال رحلة الإسراء والمعراج؛ لما انقطع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مدد الأرض جاءه مدد السماء؛ وتلك حقيقة إيمانية لا بد أن نستحضرها في كل معركة يضيق فيها الصدر وينقطع في أجوائها الأمر.
وفي مناسبتها أنه لما عقدت قريش العزم على طرد المسلين إلى خارج مكة وضربت عليهم حصارا في شعب أبي طالب (لا أكل. لا شرب. لا خيام. لا دواء. لا تواصل..).
في تلك المحنة ماتت سيدة نساء أهل الدنيا أمنا خديجة رضي الله عنها (الجبهة الداخلية للدعوة). ومات أبو طالب (سند ابن أخيه في الجبهة الخارجية). وتخلى الناس جميعا عن فئة صغيرة منبوذة محاصرة مطاردة مستبعدة من الأرض كلها..!! ترتقب مدد السماء.
في تلك اللحظة اليائسة فتح الله للمؤمنين باب السماء بمعجزة خلخلت أركان الطغيان الجاهلي وضربته في ثلاثة مقاتل:
- مقتل أن رب محمد غالب على أمره مهما كان كيد المشركين.
- ومقتل أن الإسلام ليس "دينا مكاويا" ولا قرشيا ولا عربيا.. إنما هو دين سماوي ذو امتداد عالمي.
- ومقتل أن المسلمين إذا حاصرهم الطغيان وضاقت بهم الأرض فتح الله لهم أبواب السماء.
فاشتدي أزمة تنفرجي.
وهو ما حصل في مسار الدعوة ؛ فبعد هذه المعجزة بسنتين أذن الله جل جلاله لدعوته بالهجرة إلى يثرث ليكون منطلق (دال دولتها) من المدينة المنورة. وارتدادها العكسي تلقاء مكة المكرمة خلال ثماني سنوات خرج قبلها المسلمون مطاردين لا يتجاوز عددهم 500 مهاجرا. وعادوا إليها فاتحين بجيش قوامه 10.000 مقاتلا..!!
وهذه صفعة أولى لسادة قريش. والزمن جزء من النصر.
وأما لماذا كانت محطتها الأولى بيت المقدس: فتلك رمزية الارتباط الإيماني بين القبلتين اللتين نزلت بشأنهما أحكام تحويل القبلة - في منتصف السنة الثانية الهجرية - من المسجد الأقssى إلى شطر المسجد الحرام (عصر 17 رجب 02 هجري).
وهذه صفعة ثانية لسادة يهود يثرب بفصائلهم الثلاثة: بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة. ومن ورائهم يهود خيبر.. فقد أدركوا - قبل الهجرة - أن رحلة الإسراء تلقاء قبلتهم وصلاة النبي الخاتم بجميع الرسل، ثم تحويل قبلتهم، هي مقدمة لتصحيح درسين من دروس تاريخهم الزائف:
الأول: أن الدين عند الله واحد. هو الإسلام؛ فلا يهودية ولا نصرانية ولا إبراhيمية.. ولا عجول سوداء ولا أبقار حمراء..!!
والثاني: أن سيادتهم على العالم استنفدت أغراضها، وعلى أحبارهم ورهبانهم ودهاقنتهم تسليم الراية لأتباع النبي الخاتم، ومعها مفاتيح بيت المقدس. بعز عزيز أو بذل ذليل.
وأما لماذا لم يصدق أحد خبر رحلة الإسراء (قبل أن يحدثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عروجه إلى السماء العلى..!!)، فليقينهم جميعا أن زمن المعجزات تولى وانتهى بقتل عيسى عليه السلام وصلبه (في عقيدة اليهود والنصارى). أما المشركون فلا يؤمنون بوجود لله العلي القدير.
فلما رووا لأبي بكر أن صاحبه يحدث الناس بخبر عجيب..!! يزعم فيه أنه سافر من بيته إلى القدس ليلا..!! ورجع في ليلة واحدة..!! وهم يضربون لهذا السفر أكباد الإبل أربعين ليلة..!! قال: إن كان قالها فقد صدق؛ إنني لأصدقه في أكثر من ذلك..!! أصدقه في خبر السماء.
فخلع عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم لقب "الصديق" فصار معروفا باسم أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه ليقينه بطلاقة قدرة الخالق جل جلاله.
والدرس المستفاد من تصديقه بمعجزة الإسراء والمعراج هو: الثقة في قدرة الله جل جلاله. واليقين في حكمته بغير تردد؛ وعدم تفسير معجزاته تفسيرا علميا أو منطقيا بقراءة علاقة السبب بالحدث..!!
فعند الله لا سبب ولا حدث ولا زمان ولا مكان ولا مادة ولا علاقة سرعة بزمن.. وإنما أمره إذا أراده أن يأمره فيكون. ويقيننا في نصره - إذا استنفدنا ما عندنا - كيقين أحدنا أن أصابع يده خمسة.
هل عرفتم الآن سر العلاقة بين المحطة التي انتهى إليها الإسراء وبدأ منها المعراج. وبين سر المحطة التي بدأ منها الطوfان وسينتهي إليها قريبا إن شاء الله؟
ذاك فقه حديث فرحة المؤمين بنصر الله. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.